"سقط المسرح وبقي الممثلون"، هذا مطلع مقال إسكندر شاهين في صحيفة "الديار" الأحد 22 كانون الثاني 2011… حقيقة واحدة تزداد ترسخا في عقلي يوما بعد يوم كلما قرأت هذا الصنف من المقالات التي تعمد على مقارنات خارج المنطق وترتكز على تمنيات اكثر منها قراءات علمية وأبحاث تاريخية، فتجتزئ وتحوّر وتضع الامور خارج سياقها الزمني والمكاني… حقيقة ان غداً ستسقط السيناريوهات والمقالات المبتذلة ويبقى فقط ما يسطره التاريخ.
غداً سيظهر التاريخ أن المقارنة بين شخصي ميشال عون وسمير جعجع لا تجوز:
* عون جعل من محاربة سوريا في العام 1988 عوامة "مائية" لشعبيته فراح يدعي أمام "شعب لبنان العظيم" أنه "بدو يكسر راس حافظ الاسد"، و"سيهز المسار في نعش النظام السوري"، وسيواجهه بـ "سكاكين المطبخ" ولن يهرب فهو "قبطان السفينة". وكل ذلك فيما كان يفاوض السوريين "من تحت الطاولة" على الوصول الى كرسي رئاسة الجمهورية. فهو الذي قال للاسد الاب "اتمنى ان أكون جنديا صغيرا في جيشك". وما "حرب التحرير" سوى "تنفيسة" كما قال عون. فيما جعجع إرتكزت شعبيته في شق منها على مواجهته كل محتل اكان سورياً او فلسطينياً أو مستورداً من الصومال وليبيا أو غيرها. مواجهة بالفعل وليس بالكلام حيث كان على رأس المقاومين في الصفوف الامامية على الجبهات العسكرية لا في طليعة المنظرين خلف مكاتبهم. فلم يستعمل الشعارات الشعبوية "ليشحذ" إستعطاف اللبنانيين، بل شعارات ترتكز على مبادئ علمية إستراتجية. فـشعار "القوات" "إعرف عدوك… السوري عدوك" على سبيل المثال مبدأ مستوحى من فن الحرب عند الصينين الذي يقول: "عليك بمعرفة عدوك كذاتك وهذا ما يمكنك من ربح آلاف الحروب".
* عون فرّ الى السفارة الفرنسية في الحازمية تاركاً زوجته وبناته الثلاث في مهب الاجتياح السوري لقصر بعبدا، أما جعجع فرغم الرسائل الكثيرة والدعوات المتكررة للدخول الى "جنة الحكم" وتقاسم المغانم الحكومية والقول له بكل وضوح "إما الوزارة أو النظارة" رفض ترك رفاقه والفرار. والمنفى الباريسي لعون كان بزخ وترف، أما سجن جعجع أو "شاليه محسن دلول" فكان زنزانة إنفرادية من بضعة امتار في الطبقة الثالثة تحت الارض حيث لا شمس ولا هواء ولا أدنى مقومات العيش أو البقاء سوى إصرار على الصمود وتسلح بالايمان. عون فتح خطوطاً مع السوريين لعودته في العام 2005 وأجرى صفقة واضحة المعالم بشهادة كريم بقرادوني واميل اميل لحود وميشال سماحة وفايز قزي وغيرهم، أما جعجع فرض المساومة رغم كل العروض التي قدمت اليه في معتقله في اليرزة طيلة أيام الاعتقال الـ4114 وحتى حينها، لذا لم يخرج منه بصفقة بل نتيجة المسيرة السيادية التي تكللت بثورة الارز وبعد إندحار الجيش السوري وإنتهاء الانتخابات النيابية.
* صحيح حربا 14 شباط 1989 و31 كانون الثاني 1990 من اكبر الكوارث التي عايشها المسيحيون في تاريخهم، وعون شنهما تحت عنوان «توحيد البندقية» وتحت شعار رفض إي سلاح يعلو فوق سلاح "الجيش اللبناني". وها هو اليوم يقبل أن يعلو سلاح قراره غير لبناني بل مرتبط بمحور إقليمي فوق سلاح الجيش اللبناني وأن ينتهك حرمة المؤسسة العسكرية و"يصطاد" النقيب الشهيد سامر حنا. ولكن الشعب اللبناني هو من صنفها حرب "الغاء" بناء على المؤتمرات الصحافية التي كان يعقدها سكان بعبدا يومها وعلى تصرفاته على الارض. أما جعجع فظل يسعى لإستيعاب عون وتجنيب المناطق المحررة الصدام فراح يقدم التنازل تلو الاخر له لإبعاد "الكأس المر" عن مجتمعنا، ومقولة "الجنرال بيمون" يذكرها الجميع.
* رحل السوريون نظرياً ولم يرحلوا عملياً، وتحوّل عون الى سياسي تقلدي تحكم تصرفاته الزبائنية والمحاصصة. وما قوله: "لعمرو ما يكون في حكومة إذا ما بيتوزر جبران" سوى مثال على ذلك. فأوكل أصهرته وبناته وأقاربه مفاصل التيار الذي يتباهى أعضاؤه أنه "تيار عوني". فيما لا يوجد "تيار جعجعي" بل "قوات لبنانية" تتخطى الاشخاص بغض النظر عن مكانتهم، ولا فرض وزراء من العائلة راسبين عند الشعب او عرقلة مصالح المواطنين إرضاء لأحد المقربين.
"الشيوخة المبكرة" تضرب التيار العوني وخير دليل حاله المترهلة في صفوف الطلاب "أمل الغد" والخزان المستقبلي لكل حزب، أما "القوات اللبنانية" فهي في حال صعود شبابي لافت بشهادة إعلام "8 آذار" وسياسييه. ومقال صحيفة "الاخبار" منذ اسابيع عن الحال الطالبية الكاسحة لـ"القوات" في مدارس زحلة على سبيل المثال قد يفيد بعضهم. وهذا الصعود الشبابي ليس فقط بشهادات هؤلاء بل بالارقام التي تظهرها نتائج الانتخابات الطالبية في الجامعات خصوصا في التصويت المسيحي. "التيار العوني" يعيش جُزراً حزبية تابعة لأرخبيل عون، أما "القوات اللبنانية" فمنكبة على تنظيم صفوفها الحزبية والتحضير لفتح باب الانتساب الى اليه بعدما تم إقرار النظام الداخلي رسميا.
* عون عسكري بدّل البندقية بربطة عنق، كما "بدل البندقيّة" في السياسة. أما جعجع الثابت على مواقفه فهو حكيم خلع عنه رداء الطب الابيض ليقاوم دفاعا عن مجتمعه يوم قصّر المعنيون بالقيام بواجبهم في الحفاظ على سيادة الوطن وحرمة المؤسسات. فجعجع كان منذ نعومة أظافره حزبياً ملتزماً العمل السياسي والاهلي، ولا غرابة إن عاد الى التفرغ لذلك بعد إنتهاء مرحلة المقاومة العسكرية.
* لا تصلح المقارنة بين الاطلالات الاعلامية للرجلين، فعون لا يفوت إطلالة إلا ويتهجم على وسائل الاعلام ويكيل الشتام والتعابير النابية "من تحت الزنار" ونبرته تحطم الارقام في مستوى "الدسيبل". كما يمارس تسلطه، فيضع vetoعلى بعض الاعلاميين. أما جعجع، فإعلام "8 آذار" يشهد على مدى دماسته ورحابة صدره وعدم رفضه لأي سؤال يوجه إليه.
وأخيراً، في ما يتعلق بقضم "الكتائب" من صحن "القوات" شعبيا، فتقريبا العكس هو الصحيح بحسب جميع "الاحصاءات العلمية".