الردود الفورية لا تعبّر عن مسار الخطّة
الموقف الروسي محوري في مصير النظام
استرعت المبادرة العربية في استنساخها السيناريو اليمني لسوريا اهتمام مصادر ديبلوماسية لجهة جملة امور قد يكون ابرزها :
اولا : ان الدول العربية رفضت المراوحة او العودة الى الوراء في الاكتفاء بالتمديد لبعثة المراقبين كون ذلك يفيد من جهة بأن الدول العربية تخاطر بأن تعطي الرئيس السوري بشار الاسد فرصة لتحسين وضعه على مستويين: الاول استيعابه مهمة المراقبين والتعامل معها بما يحفظ له القدرة على متابعة خياره او مقاربته الامنية التي اعلن عنها في خطابه الاخير. وهناك مخاطرة كبيرة بأن يتمكن الرئيس السوري من النجاح في هذه المقاربة واستمرار الحصول على دعم روسيا والصين في حين تتحمل الدول العربية مسؤولية "تعويم " الرئيس السوري واعطائه الفرصة لذلك في ظل استمرار سقوط عدد كبير من الضحايا يوميا لا تتحمله الدول العربية والمراوحة في الحل الامني من دون السياسي فضلا عن ان الزعماء العرب اتخذوا مواقف من النظام لا قبل لهم بالعودة عنها في ظل التعويم ليعودوا عنها لاحقا. ولذلك وضعت هذه الدول خطة محددة على الطاولة ليست بعيدة في بعض نقاطها عما يطرحه الرئيس السوري من مبادىء مع فارق اساسي هو استثنائه من عملية الانتقال والتأسيس للمرحلة المقبلة باعتباره بات جزءا من المشكلة ولم يعد جزءا من الحل من دون مطالبته علنا بالرحيل فورا او السماح له بأن يكون الآمر الناهي في هذا الموضوع. اذ ان عملية التأسيس للمرحلة المقبلة باشرافه هي بمثابة مناورة لا يصدقها احد بمن فيهم السوريون انفسهم وهو عاجز عنها حتى الان في حين انها تخضع في الخطة لاشراف عربي ودولي. وهذه الخطة باتت ملحة لان الامور وصلت في الاسابيع الاخيرة الى ما يشبه المأزق لدى الجميع في شأن الخطوة التالية التي يجب اعتمادها. وقد حظيت في نهاية الامر وعلى رغم التجاذبات والتضارب في وجهات النظر باجماع من الدول العربية بمن فيهم العراق بما يعنيه ذلك بالنسبة الى الدعم العراقي للنظام السوري من جهة وبالنسبة الى التعويل على انتهاء رئاسة قطر للجامعة وانتقالها الى العراق في موازاة المهلة الممدة الثانية لبعثة المراقبين.
يضاف الى ذلك ان الخطة العربية ليست موجهة ضد النظام السوري بمقدار ما تقدم حلا او خريطة طريق لم تستطع المعارضة السورية ان تقدمها حتى الآن على نحو واضح. فاربكت بذلك داعميها السوريين وكذلك الدول الغربية والعربية الداعمة لمطالبها. ويتعين عليها في ضوء غياب مشروع لديها يحظى بالتأييد ان تشكل الخطة العربية المشروع البديل المقبول والذي يمكن ان يشكل غطاء مهما لها.
ثانيا : ان الروس استخدموا تعبير السيناريو اليمني في مقاربتهم الوضع السوري في الشهرين الاخيرين وبعد نجاح وساطة اخراج الرئيس اليمني عبدالله صالح من الازمة في اليمن وأبدوا استعدادهم لاعتماده بالنسبة الى الازمة السورية الى درجة دعوتهم نائب الرئيس السوري فاروق الشرع لزيارة موسكو. وهي زيارة لم تحصل لاعتقاد لدى هذه المصادر هو منع القيادة السورية حصولها. وتاليا فان السؤال هو هل تحرج الخطة التي وضعتها الدول العربية على الطاولة روسيا التي دعمت المبادرة العربية وتمسكت بها على اساس انها البديل من اللجوء الى مجلس الامن ام انها ستدعمها؟ اذ ان الموقف الروسي يكتسب اهمية بالغة اولا في حال لم يوافق العرب رأيهم فيكون خارج الاجماع العربي وليس الغربي في شأن الوضع السوري. وهو يكتسب اهمية بالغة ايضا من حيث تأثيره على قرار القيادة السورية باعتبار ان الموافقة الروسية في حال حصولها ستضع هذه القيادة امام خيارات صعبة مفادها ان الهامش بات ضيقا وان المخرج راهنا قد يكون افضل حل بدلا من التأخير في تطبيقه اذ ان ما وضعته الدول العربية على الطاولة كان مطروحا في الكواليس وفي محاولات اقناع النظام السوري بالحول طورا من خلال السعي الى رعاية الرئيس السوري التغيير مع بقائه هو في مقابل تغييرات صلاحياته والنظام او من خلال تفويض صلاحياته الى نائبه وتنظيم خروج آمن له كما حصل مع عبدالله صالح. وأهمية رد الفعل الروسي تكمن في ما يمكن ان تتخذه روسيا في مجلس الامن متى نقلت الدول العربية خريطة الطريق التي وضعوها الى المجلس للحصول على الدعم. اذ ان هذه الخطة ليست مشروع عقوبات ولا ادانة للنظام ولا تنطوي على تدخل عسكري او ما شابه مما يطرح تحديا امام الموقف الروسي الحقيقي كون هذا الموقف بعيدا مما اعلنه رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في هذا الموضوع ابان حملته الرئاسية او ما قاله وزير الخارجية سيرغي لافروف يماثل هذه الخطة لجهة المحافظة على سوريا وايجاد مخرج للرئيس السوري سلميا مع مرحلة انتقالية للمؤسسات. وأهمية رد الفعل الروسي ايضا تتصل بما اذا كانت روسيا ستقود هي نفسها الى جانب النظام السوري اقناعه بهذا المخرج وتكون صاحبة الدور الاساسي في هذا الاطار اذ ان رد الفعل الذي صدر عن الاعلام السوري الممثل للنظام هو رد انفعالي قبل تبلور الموقف الروسي لان النظام السوري لا يستطيع متابعة ما يقوم به من دون غطاء روسي على الاقل. والايام المقبلة ستتكفل بايضاح مفاعيل هذه الخطة المفاجئة وما يمكن ان يحصل تفاوض حولها باعتبار ان ردود الفعل المبكرة لن تعبر عن حقيقة ما ستحدثه على ارض الواقع لاحقا.