سيرة الفساد والفضائح على أنواعها تكاد تتحوّل أمطاراً وسيولاً، تنافس عواصف الكانونين وثلوج السلسلتين. وخصوصاً بالنسبة إلى الكهرباء، والماء، والمشتقّات النفطيّة، والجسور، والسدود ومتفرعاتها.
على مدى أعوام الاستقلال التام الناجز والسيادة المصونة والحريات المنفلشة على كل ما هو فوضى وخارج عن القانون، عرف لبنان وشعوبه الدائمة التصادم أصنافاً من المسؤولين والسياسيّين المستهترين والباحثين عن المكاسب والمسالب. كما عرف الفضائح بكل أنواعها وأسمائها وحقولها وأحجامها وأبطالها الميامين.
إلاّ أن "شيئاً" يدعى شرش الحياء بقي محافظاً على "موطئ قدم" متواضع لدى أولئك الفضائحيّين اللامبالين، في ذلك الزمان اللبناني المزدهر والذي غيّبته أهوال الحروب، وأحلّت محلّه مزارع ومحميّات ودويلات ومربّعات، وما لم يعد في حاجة إلى تعريف…
ومع اقتطاع السلطة والمناصب والمكاسب والمسالب والمناطق والضواحي، اقتطع أو انقطع كل ما تبقّى من شروش الحياء، وما يمتّ إليها بصلة. مثلما انقطعت سيرة الورع والخفر لدى بعض الطارئين على المناصب والفيترينات والصفوف الأماميّة. والميكروفونات. والشاشات الملوّنة معها.
يُقال الكثير في هذا المجال. وفي هؤلاء الناس الذين لا يرون في الوزارات والسلطة والدولة والمؤسّسات سوى ما يعود عليهم بالمنفعة الخاصة، والمزيد من الغنائم و"المكافآت" على أنواعها.
واقعيّاً وموضوعيّاً، "يليق" وصف المستهتر، والفضائحي أيضاً، بعدد من هؤلاء الذين تسلّلوا إلى الواجهات، والوزارات في غفلة من الزمن. أو في هذا الزمن الرديء، كما كان يقول أحمد شومان، وهو يغسل يديه للمرّة الثانية والثالثة، لدى ورود ذكر أمثال هؤلاء الذين كان يتحاشى أن يلفظ أسماءهم.
فما كان شبه مقبول، مثلاً، كأمر واقع بالنسبة إلى تقنين الكهرباء بات اليوم في مصاف التمنيات والأحلام والمستحيلات.
تسأل عن الأسباب، فيأتيك الجواب أن أحد الوزراء المدلّلين يريد أن يلقّن اللبنانيّين دروساً في أسلوب الانتقام والتشفّي.
أو أن معاليه عنده مواويل شخصانيّة كذلك. واستهتاره بالمواطنين ومصالحهم والوطن والمصلحة العليا، عائدٌ إلى غايات وتطلّعات مستقبليّة وطموحات انتخابيّة، فضلاً عما يشاع ويذاع ويملأ الأسماع.
حتى الحلفاء، على ما يُروى ويُنشر، ضاقوا ذرعاً بهذا الوضع، وهذه التصرّفات، وهذا الانقطاع الصادق الذي تقطع له الطرق وتشتعل دواليب السيارات وتصدح الهتافات الهجائيّة ضد الوزير والوزارة.
لو كان أحمد شومان حيّاً لقال في هذا المقام ما لم يقله الفرزدق في جرير.