كتب طوني عيسى في صحيفة "الجمهورية": وصل المدعي العام للمحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار الى بيروت، في زيارة ستكون على الأرجح الأخيرة خلال ولايته التي تنتهي في آذار. وعلى رغم الطابع البروتوكولي و"الوداعي" الذي أعطي لها، فإنّ ثمة من يتوقع أن يؤدي بلمار خلالها مهمّة قد تكون الأكثر دقة وأهمية. وهذه المهمّة هي إجراء الجولة الأخيرة مع السلطات اللبنانية، ليتكوّن لديه الاقتناع النهائي: هل فعلاً تقوم هذه السلطات بدورها في توقيف المتهمين الأربعة وجلبهم إلى المحاكمة؟ وتالياً، هل ستقتنع المحكمة بالتقارير المكرّرة التي يرسلها إليها دورياً المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، و"تنام" على ما فيها من "تعذّر" العثور على المتهمين، أم ستطالب لبنان بمزيد من الجدّية في ذلك؟
هامش المناورات يضيق
على أساس الاقتناعات التي ستتشكّل لدى بلمار، سيكون هناك اتجاه إلى خيار من إثنين:
1 – تشديد الأمم المتحدة ضغوطها على لبنان لاحترام القرار 1757، في الجانب المتعلّق بتسليم المتهمين، وعدم الاكتفاء بالتعاون الروتيني في مجال التمويل والتمديد للمحكمة. وهذه الضغوط تستند إلى أنّ هذا القرار مبنيّ على الفصل السابع من نظام الأمم المتحدة، وأي إخلال به يترتّب عليه قيام مجلس الأمن بفرض التنفيذ. وهذا يعني المزيد من الوقت لانطلاق المحاكمات.
2 – أن يتكوّن لدى بلمار اقتناع بأن الحكومة اللبنانية واقعة فعلاً تحت العجز، على رغم نيّتها توقيف المتهمين. وهذا يعني الانتقال إلى المحاكمات الغيابية.
وتعتقد مصادر حقوقية متابعة أن بلمار قد ينهي ولايته في الادعاء العام بقرارات اتهامية جديدة، فيما تبدأ المحاكمات الغيابية بالتوازي، أو تبقى هاتان الخطوتان لمرحلة عمل المدعي العام الجديد، الذي يفترض اختياره بالتعاون ما بين بلمار والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.
وثمة من يتحدّث عن أسماء من داخل فريق عمل بلمار لهذه الغاية. وإذا ما تحقّق ذلك فسيعني أنّ بلمار الخارج من المهمّة لضرورات صحّية سيبقى نهجه مستمراً في المرحلة المقبلة، وهو نهج مبنيّ على الدقّة المهنيّة في مقاربة عناصر الملف كافة.
تحذير بان كي مون
ولعلّ أهم ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة، في زيارته الأخيرة لبيروت، داخل الجدران المقفلة، هو تحميل السلطات اللبنانية المسؤولية عن توقيف المتّهمين الأربعة. وهو وصل إلى حدّ توجيه تحذير إليها في هذا الشأن. وبناء على هذا الموقف، ستكون مهمة الرسالة التي يحملها بلمار، وهو صاحب نظرية التشكيك في جدّية السلطات اللبنانية في البحث عن هؤلاء المتهمين وتوقيفهم وجلبِهم إلى المحكمة.
ففي 8 تشرين الثاني من العام الفائت، فاجأ المدعي العام غرفة الدرجة الأولى، في جلستها العلنية، بالطلب من المحكمة أن تستدعي السلطات اللبنانية للمثول أمامها في أول جلسة مقبلة، والاستماع إليها في ملف تسليم المتهمين الأربعة. وهو لذلك، كان يميل إلى رفض انطلاق المحاكمات الغيابية قبل إدراك حقيقة الموقف الرسمي اللبناني من تسليم المتّهمين، وقيام لبنان بدوره كاملاً في هذا المجال. ففي رأيه، لم تتوافر تماماً، حتى اليوم، الشروط التي تنصّ عليها قواعد الإجراءات والإثبات. وعليه، لا يمكن الانتقال إلى المرحلة التالية. ولم يستجب رئيس الغرفة القاضي روبرت روث إلى رغبة بلمار في تسريع موعد الاستماع إلى السلطات اللبنانية، لكنه أبقى مسألة الاستدعاء قيد البحث.
وكان بلمار تبلّغ قبل ذلك بساعات ردّاً من السلطات اللبنانية، على كتاب وجّهه إليها قبل شهر، يعرض فيه الاستعداد لمساعدة هذه السلطات في العثور على الأربعة وجلبهم إلى المحكمة. وجاء في الردّ اللبناني أنّ لبنان يقوم بكل الجهود اللازمة للتوصّل إلى هذه النتيجة، لكنه حتى اليوم لم يحقّق الغاية المنشودة.
والتقويم الذي أعلنه بلمار، بناء على السلوك الرسمي اللبناني، هو الآتي: "لم يكن هناك جهد كافٍ لتوقيف المتّهمين. فالسلطات اللبنانية إما أنها لم تكن قادرة على ذلك، وإما لم تكن لديها النيّة". وبدا بلمار غير مقتنع بالحجج الواردة في التقارير الدورية المرسلة من المدعي العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا. ومن المستندات التي بنى عليها بلمار تقويمه، المقابلة التي نشرتها مجلة "تايم" الأميركية مع أحد هؤلاء المتهمين في آب الفائت.
عام القرارات الاتهامية والمحاكمات
وهكذا دخل عنصران على مسار المحكمة الدولية: التشكيك في صدقية التزام السلطات اللبنانية مقتضيات التعاون مع المحكمة في توقيف المتهمين، وتأجيل الانطلاق في المحاكمات الغيابية، من العام 2011 إلى العام الجاري على الأرجح. وهذا ما أكده رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هيبل، الذي توقّع صدور قرارات اتهامية جديدة في محاولتي اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء السابق الياس المرّ والنائب مروان حمادة واغتيال الأمين العام السابق للحزب الشيوعي جورج حاوي، في حدود مطلع العام الجاري.
من هنا، تعلّق الأوساط المواكبة أهمّية على ما ستسفر عنه زيارة بلمار لبيروت، في تقرير الخطوات المقبلة للمحكمة، من القرارات الاتهامية المنتظرة إلى انطلاق المحاكمات الغيابية، على الأرجح، لأنّ من المستحيل أن يعمد "حزب الله" إلى تسليم المتهمين المنتمين إلى كوادره. وهو تَوَعَّد الذين سيتعرّضون لأي من عناصره، وقال إن أحداً لن يستطيع الوصول إلى أي منهم، ولو بعد 300 عام.
وتعتقد الأوساط أن الحملة التي شنّها رافضو المحكمة عليها من باب التمويل ثم التمديد للبروتوكول، ليست سوى محاولة لذرّ الرماد في العيون، وإشاحة الأنظار عن جوهر الأزمة مع المحكمة الدولية، أي تسليم المتهمين وإحالتهم إلى المحكمة. فهذا هو مكمن الوجع الحقيقي لدى هؤلاء. ولا يبدو ممكناً بعد اليوم الدخول في تسوية أو صفقة مع المحكمة والمجتمع الدولي حول هذا الملف.