كتب جورج ساسين في صحيفة "الجمهورية": يحرص وزير الخارجيّة الفرنسي ألان جوبيه على "الاستنفار" في كلّ الجبهات الخارجية والداخلية، لما هو معروف عنه من خبرة ومقدرة، لكنّ تولّيه مقارعة المرشّح الاشتراكي للرئاسة فرنسوا هولاند ومشاركته الكثيفة في الحملات الانتخابية يطرح سؤالاً حول تأثير ذلك في معالجته لملفّات السياسة الخارجية وفي مقدّمها الأزمة السورية؟
على رغم تأكيد وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه أمس، خلال حفل استقبالٍ أقامَه على شرف الصحافة الديبلوماسية، أنّ "نشاط وزارته لن يتوقف مع بدء الحملة الانتخابية الرئاسية، ولن يؤثّر في قيادة التحرّكات والمعارك الديبلوماسية على مختلف الجبهات وفق الأولويّات التي وضعتها باريس"، إلّا أنّ تراكم المواعيد التي قطعها لخوض المبارزة السياسية الأساسية مع المرشّح الاشتراكي لرئاسة الجمهورية فرنسوا هولاند، بدءاً من غد الخميس على شاشة القناة التلفزيونية الثانية حتى 22 نيسان المقبل، يؤكّد أنّ جوبيه سيخصّص جزءاً لا بأس به لمؤازرة مرشّح اليمين العتيد الرئيس نيكولا ساركوزي.
وبدا أنّ هذا الأخير يمحضه ثقة كبيرة لتحطيم الهالة التي بدأ هولاند يستظلّها منذ المهرجان السياسي الكبير الذي نظّمه الحزب الاشتراكي الأحد، حيث إنّه استقطب شريحة إضافيّة من أولئك الذين لم يهضموا بعد تأهّله للرئاسة في حزبه بالذات. وظهر أنّ "الفيلة" القدماء والجدد، وهي التسمية التي تطلق على قيادات الاشتراكي، حاولوا لفت أنظار المريدين والمناصرين بأنّهم صفّ واحد خلف هولاند.
ومن المعروف أنّ جوبيه، ومع أنّه كان من أبرز قيادات الديغولية الجديدة التي عملت تحت لواء رئيس الجمهورية السابق جاك شيراك، فإنّه كان وفيّاً وصادقاً مع الرئيس ساركوزي، بينما كان أحد أبرز منافسيه في الحزب الحاكم.
ومن صفات جوبيه خبرته الطويلة في قيادة شؤون الدولة سواء كان رئيساً للوزراء أو وزيراً للخارجية، حيث إنّه تمرّس في معالجة كلّ الملفّات الداخلية والخارجية، وهو من أبرز الشخصيات اليمينية في الحزب الحاكم التي يعتمد عليها الرئيس ساركوزي. وعليه فإنّ جدول أعماله في الأسابيع المقبلة سيكون مضغوطاً لجهة مشاركته في المهرجانات المتنقلة في العديد من المدن الفرنسية لحشد التأييد لساركوزي من جهة، وللتصويب على الثلاثي المنافس هولاند ومرشّح حزب الوسط فرنسوا بايرو ومرشّحة يمين اليمين مارين لوبن من جهة أخرى.
وعلى رغم كلّ ذلك، يؤكّد جوبيه أنّ "في ظلّ التغيّرات المتسارعة فإنّ الديبلوماسية الفرنسية ستمضي قدُماً بقناعات قويّة وأولويات واضحة وعزيمة لا تلين". ويقول: "إنّنا سنواصل رفع صوت فرنسا عالياً لخدمة الحرّية والعدالة والديموقراطية، وكذلك لمصلحة الاعتدال والمنطق في كلّ ما يتعلق بمواضيع الساعة…كقضية العلاقة مع تركيا، فالديبلوماسية ستواصل التهدئة واليد الممدودة " في إشارة إلى قرار مجلسَي النواب والشيوخ تجريم إنكار إبادة الأرمن على يد السلطنة العثمانية في بداية القرن الماضي.
ومن الواضح أيضاً أنّ 2012 هو عام الانتخابات في فرنسا، لكنّه عام "الحرب الديبلوماسية" ضدّ النظام القائم في سوريا، فالقاعدة التي حدّدها جوبيه للتعامل مع سياسة التلويح التركية باتّخاذ عقوبات ضدّ فرنسا لا تنسحب على دمشق للأسباب المعروفة. فالأمر "الملحّ والعاجل" في نظره هو "وضع النظام السوري حدّاً نهائيّاً للجرائم ضدّ الإنسانية التي يواصل ارتكابها ضدّ شعبه. لن نرخي الضغط عليه، وسنبذل كلّ شيء… من أجل مساعدة المعارضة والشعب السوري للحصول أخيراً على حقوقه"، مشدّداً على "أنّنا نريد حلّاً سريعاً من أجل الشعب السوري، ومن أجل أمن لبنان والمنطقة. ولهذا اعتمدنا أمس في بروكسيل عقوبات جديدة ضدّ النظام وندرس تدابير عديدة قد تصل إلى حدّ تجميد أصول المصرف المركزي السوري".
وركّز جوبيه على التغييرات الحاصلة في عدد من الدول العربية على أثر "الربيع العربي" الذي شكّل أبرز "تعبئة لدى الشعوب العربية المنخرطة في معركة الفوز بالحرّية، وهذا كان أحد أكبر أولويات فرنسا التي سارت لتحقيق آخر حرف من التزاماتها ضدّ الأنظمة المجرمة".
ولفتَ إلى أنّ "فرنسا بسبب الضرورة والواجب بذلت كلّ جهد من أجل مواكبة عمليّات الانتقال السياسية الديموقراطية في البلدان العربية الأخرى ودعمها بمختلف السبل، حيث زرتها ووجدت أنّ رياحاً جديدة تهبّ، فالانتخابات الحرّة جرت في تونس للمرّة الأولى وفي المغرب ومصر"، لافتاً إلى أنّ "نتائج هذه الانتخابات تثير تساؤلات عديدة، لكن لا يمكننا منع الشعوب من التعبير عن رأيها بحرّية، فمن تمّ انتخابهم يرمزون بنظر هؤلاء إلى مقاومة القمع وإرادة العدالة الاجتماعية".
وإذ دحض جوبيه فكرة أنّ "الإسلام والديموقراطية متناقضان"، شدّد على "الخطوط الحمر" التي تتضمّن التداول الديموقراطي للسلطة، ودولة القانون وحماية حقوق الإنسان والمرأة واحترام الأقليات".
كما لفت جوبيه إلى أنّ "الهدف حيال إيران هو إفهام النظام بأنّه في مأزق، وأنّنا لن نقبل أبداً امتلاكه السلاح النووي"، مشدّداً على أن "لا إرادة في تغيير النظام الإيراني". ونبّه إلى "احتمال أن يدفع السخط والقلق البعض إلى حلّ عسكري يؤدّي إلى عواقب غير محسوبة".
ومن الواضح أنّ جوبيه سيخوض كلّ المعارك المقبلة بعدما دقّ ساركوزي النفير حيث إنّه، وعلى ذمّة صحيفة "لوموند"، لم يعد يخفي تخوّفه الحقيقي من خسارة الانتخابات العتيدة، بعدما أسَرَّ إلى مقرّبين منه بأنّه سيُطلّق في هذه الحال السياسة.