كتبت دنيز عطالله حداد في صحيفة "السفير": استطاع اللبنانيون، حتى اليوم، النأي بأنفسهم، في الحد الادنى، عن تداعيات الازمة السورية. نأي بالنفس عن تطورات دراماتيكية تتمثل، في أخطر وجوهها بخضات أمنية واهتزاز للاستقرار. فهل ينجحون في الحفاظ على هذا الواقع؟ هل ينجحون في التخفيف من حماوة رؤوسهم لمرة فينحنون قليلا ليمرروا العاصفة؟ أم أن مراهقتهم السياسية المصحوبة بالتهور والمغامرة وأوهام القوة والاستقواء ستدفعهم الى الدخول في اللعبة القاتلة؟ لعبة يختلفون على قواعدها ولا يجيدون حساباتها او مسار تطورها وإن اتقنوا واختبروا، ونسوا على الارجح، كلفتها ومآسيها واثمانها الباهظة.
تتخوف اوساط سياسية وأمنية من أن يتم جرّ البلد الى "تفجيرات امنية قد تبدأ محدودة في مكانها وظروفها لكنها تحمل في طياتها بذور تفجير يطيح ما تبقى من اسـتقرار هش للاوضاع".
ويشير مصدر مسؤول على تماس بين السياسي والامني الى أن "الاوضاع اليوم مضبوطة والامن ممسوك. وجميع الاطراف السياسيين يبدون حرصا على التهدئة وعدم تفلت الشارع. وهذا موضوع جوهري. فالامن قبل كل شيء قرار سياسي. وان لم يكن من قرار بتفجير الاوضاع يبقى اي خرق او تفلت قابلا للضبط والاحتواء".
ويشير الى انه "تم تبليغ كل المعنيين بأن الاستقرار خط احمر وان كل طرف يتحمل مسؤولية خياراته ومغامراته، آخذين بعين الاعتبار ان القوى الامنية لن تتساهل مع اي كان"، مضيفا ان "الشحن المتواصل للناس ومحاولة تصوير الوضع السوري وكأنه شأن داخلي لبناني، والافرقاء على اختلافهم، معنيون باتخاذ موقف حياله سواء مع النظام او ضده لا يساعد مطلقا في ابقاء الامور تحت السيطرة. والنأي بالنفس في هذا المجال احكم الخيارات المتاحة، شرط ان يحظى ذلك باجماع ناتج عن قناعة بأننا كلبنانيين لا نملك اي تأثير على تطور الاحداث في سوريا. فمهما حاولنا تضخيم دورنا وحضورنا وقدراتنا فالسوريون وحدهم يرسمون حاضرهم وغدهم. ولنتواضع مرة ونجنب بلدنا التحول الى ساحة جانبية ترسل من خلالها رسائل متفجرة في هذا الاتجاه او ذاك".
يتبادل فريقا الانقسام السياسي في البلد تحميل بعضهما البعض مسؤولية دوام الاستقرار. ويؤكد كل منهما أن لا نية لديه في تفجير البلد أو استدراجه إلى أزمات أمنية.
يشرح مصدر نيابي من الأكثرية الأسباب التي تجعلهم حريصين على استتباب الأوضاع. "فنحن اليوم في السلطة. أتينا لننجز ونحقق الاستقرار للبنانيين على كل المستويات. وبديهي أن يكون الأمن في أولوياتنا"… وماذا عما تروج له بعض الأطراف في الأقلية عن إمكان إقدام افرقاء في "8 آذار" على توتير الأوضاع داخليا تلبية لرغبة سورية في حال ازداد الضغط على النظام السوري؟ يرد المصدر النيابي متسائلا "هل يظنوننا مثلهم نأتمر بأوامر خارجية يمليها علينا سفير او مبعوث؟ سوريا اليوم احرص من ذاك الفريق على استقرار البلد. هي تريده ممسوكا ومستقرا وضابطا لحدوده وأمنه وهي كفيلة بتحسين أوضاعها الداخلية".
ويضيف المصدر "إن كل مكونات الحكومة، حتى لو اختلفت على تفاصيل كثيرة، الا أنها تجمع على أن الاستقرار الأمني خط احمر لا يجوز المس به". ويبدي تخوفا "من رهانات خاطئة للبعض كأن يتخيلوا مردودا ايجابيا لدخولهم طرفا في الصراع السوري. أو أنهم بذلك يرسمون خارطة الطريق لاستعادة السلطة. لذا نجد الحدود متوترة والتهريب فيها على أشده تحت عناوين نصرة إنسانية حينا ونصرة دينية حينا آخر… لكن الحقيقة هي في مكان آخر تماما".
بدورها تنفي "قوى 14 آذار" اي رغبة او مصلحة لديها في اهتزاز الوضع الامني، ولا يبدي قيادي مسؤول فيها اي تخوف من تطورات تطيح الاستقرار. "قد تحدث اغتـيالات او عمليات عسكرية محدودة وربما تفجيرات لكن ذلك لا يعني ان لبنان سيشهد حربا او صراعا عسكريا او استدراجا لازمات النظام السوري الى الواقع اللبناني".
ويعتبر نائب من كتلة "المستقبل" ان "الفريق المستقوي بسلاحه وبسوريا ليس نحن. وبالتالي فان استمرار الاستقرار بالبلد مرتبط بمدى التزام "حزب الله" سياسة النأي بالنفس. وعلينا الاقرار له انه حتى اليوم يكتفي برفع الصوت والتضامن اللفظي مع النظام، مع خروقات محدودة. لكن هل يا ترى سيتمكن من تجنب الانصياع للرغبات السورية في حال اشتد الخناق اكثر حول النظام؟" . يضيف ساخرا "على اي حال قد يكون مطمئنا اكثر ان قرار تفجير الاوضاع بيد السيد حسن نصر الله وليس العماد ميشال عون والا لكنا اليوم نخرج من فتنة لندخل في حرب عالمية".
ويعود النائب الى الاستدراك مؤكدا "ان تفجير الاستقرار يعود بالخسارة على الجميع. وهذا ليس كلاما نظريا. فالتدقيق في الحسابات لدى كل فريق يوصل الى هذا الاستنتاج. ومع ذلك يبقى التخوف من عدم قدرة فريق التملص من تسديد فواتيره الخارجية، واجباره على تسديدها من استقرار البلد".