#dfp #adsense

الغرق والانهيار

حجم الخط

"شيتينو، أيها السافل، عد الى سفينتك فوراً"
قائد حرس السواحل الإيطالية

في السبعينات أصدر لويجي بارزيني كتاباً ساحراً بعنوان "الايطاليون". ومما فيه ان الانكليزي يقول: "لا ترفس رجلاً وقع أرضاً"، في حين ان الايطالي يقول: "إذا لم أرفسه وهو ملقى، فمتى أرفسه إذاً؟".

الاسبوع الماضي، بدت ايطاليا ملقاة على جانبها مثل السفينة "كوستا كونكورديا". وقد انصرف الايطاليون (والانكليز معهم) الى رفس قبطانها فرانشيسكو شيتينو، الذي ارتكب الخطأين اللذين لا غفران لهما: ترك السفينة تنحرف، فيما هو يتناول العشاء مع حسناء من أوروبا الشرقية (سابقاً)، أما في خيانة القيادة، فإنه كان أول الهاربين، تاركاً البحر يدفن مؤتمنيه. تقتضي قوانين القيادة، أن يكون القائد آخر من يخرج، براً، بحراً، أو جواً. الفئران هي أول من يهرب. لذلك سمي شيتينو "القرصان" وخلع عنه شرف المسؤولية، وقالت الصحف إنه "المحتقر الاول في البلاد".

حوّل الايطاليون ثرثرتهم اليومية المشهورة الى ثرثرة بحنجرتي كاروزو وبافاروتي. في داخل كل منهم عقدة ذنب، بأنه فرانشيسكو شيتينو، على نحو ما. أجمل بلدان العالم المأهول يشكو، في الأزمان الصعبة، من شجاعة رجاله. ولا شكوى من نسبة الجمال عند النساء: فينوس دو ميلو، بكل تلويحات البشرة. وهنا تنكسر القاعدة العامة: فالرجال يحبون السمراوات، ولتبق مارلين مونرو وحيدة.

لا يزال الجدل دائراً. ليس فقط حول القرصان شيتينو، بل حول كل شيء آخر. يوم تفيق روما ولا تجد ما يعلي الصوت، تغلق المقاهي ارصفتها، وتكتئب الوجوه الضاحكة عادة، الهازلة أبداً، التي تأنس الى حكم المهرجين: جزارين مثل موسوليني، أو مغنين درجة رابعة، مثل سيلفيو برلوسكوني، الذي حكم أكثر من جميع الحكام وسائر القياصرة، ومنهم نيرون وكاليغولا. ومنهم 12 قيصراً عرفوا بقلة الهرمونات الذكورية، وكثرة الفتوحات الخارجية. ويحاول كتاب أميركي جديد أن يقنعنا بأن كاليغولا لم يكن مجنوناً ولا وحشاً. فهو عندما عين حصانه قنصلاً (وزير خارجية) كان يريد أن يكيد خصومه، وعندما فحش وسفح في شقيقاته وزوجات القادة والشيوخ، كانت المسألة سياسية أيضاً. فليَحْيَ الحصان.

يصنع تاريخنا الشعراء والمؤرخون. روما، لاحقاً ايطاليا، شيء جميل ومثرثر، صنعه أعظم الشعراء والرسامين والنحاتين. منذ أن رمى دانتي الليغييري اللغة اللاتينية ليضع لغة يفهمها الجميع، صارت الايطالية لغة الجنة والجحيم. والكوميديا، ولا مثال على ذلك بعد نحو ثمانية قرون، أفضل من "الكونكورديا" والقبطان المولّه بجولييت الكرواتية. هناك صورتان لروما، لاحقاً ايطاليا: روما الحقيقية، التي كانت الامبراطورية التي سوف يدكّ اركانها صيادو سمك كانوا يرافقون نجاراً من الناصرة، يدعى المسيح ابن مريم. وروما، لاحقاً ايطاليا، التي غرزها وليم شكسبير في ذاكرة الشعوب: كان بروتوس رجلاً وطنياً لكن مقتضيات المسرح جعلته رجلاً خائناً. ويوليوس قيصر الذي نعرفه من شكسبير يختلف عن يوليوس مؤرخي الرومان. وعندما بحث الشاعر الانكليزي عن أجمل قصة حب يضرب بها مثالاً للبشرية، عاد الى رواية كتبها مواطن له قبل عقود وذهب الى فيرونا، حيث وقف روميو تحت نافذة جولييت، قبل ان يموتا تلك النهاية الحميرية، التي عاشت الانسانية على رومانسيتها قروناً طويلة.

كان الدكتور كمال الصليبي يقول إن مصر عرفت أفضل مراحلها في عهد كافور الإخشيدي ثم "جاء هذا المسمى المتنبي" ودمّره بقصيدة هجاء. لم يكن أبو الطيب، "المسّمى المتنبي" بل كان أعظم شعراء العرب، كما كان شكسبير أعظم شعراء الانكليزية. وقد وضعه المعرّي في طبقة الاعجاز الشعري: "معجز أحمد". لكنه أيضاً قرأ تاريخ مرحلته وكتبه على هواه، مادحاً اجمل المدائح، هاجياً أقرع الهجاء، أحياناً للشخص نفسه. كافور أشهرهم. كل ما نعرفه عن كافور هو لعنة المتنبي المخيّب بحاكم مصر. نامت نواطير مصر عن ثعالبها. وأعذب الشعر أكذبه.

الجميع يقرأون التاريخ وفقاً للشعراء، وقلّة تعود الى المؤرخين. مراحل كثيرة من التاريخ العربي تركت للهو الشعراء أو مجونهم او مفاخراتهم، التي لا تصدق إلا في مضارب الخيام وليالي الضجر وغياب القمر. الآن يلعب الاعلام دور الشاعر: سوف يذهب فرانشيسكو شيتينو في تاريخ السفن الغارقة على انه "القرصان"، لا القبطان، والجرذ الذي كان أول الهاربين.

روما مدينة رائعة ومهزومة. الى الأمس كانت بين حظايا سيلفيو برلوسكوني، الذي عندما صافحته ميشيل أوباما سحبت يدها سريعاً خشية ان يقبّلها. لا، ليس اليد. أن يقبلها هي. أراد ان يحفظ سمعة الايطاليين بكونهم عشاقاً، ليس اغبياء كالسنيور روميو، الذي انتحر على قبر جولييت "هنا، أقبلك وأموت"، وانما مثل الفارس كازانوفا، الذي يقفز اسوار الحدائق بعد منتصف الليل. وربما من هنا اغنية فريد الأطرش "أفوت عليكي بعد نص الليل لما تنامي"!

أما كازانوفا فكان يفضلهن ساهرات، ينتظرن عند أبواب المخادع والا لماذا عناء قفز الأسوار؟ لماذا سمى العرب غرفة النوم مخدعاً؟
يقول لنا فيرجيل، على طريقة الشعراء أيضاً، إن الإله جوبيتير وعد روما بسيطرة دائمة على الأمم: "أجعل هذا الشعب بلا حدود في الزمان وفي المكان". لكن أمر جوبيتير ذهب بدل ذلك الى الشعب اللبناني الأبي: بلا حدود في الزمان أو في المكان. كم يشبه لبنان إيطاليا، في هذا الجانب الجمالي من المتوسط. ولكن مثل "الكونكورديا" شيء شبه غارق وملقى على جانبه، زاغت عين القبطان فانحرفت السفينة نحو الصخور.

صدّقنا الشعراء. ولذا عندنا عشرات الدواوين ولم يكن في قدرة أحد حتى الآن وضع كتاب موحد للتاريخ. عشرة آلاف كيلومتر مربع، وعشرة آلاف رؤية للتاريخ. لأنه تاريخ غزوات داخلية، لا تاريخ واحد. تواريخ متضادة وبلا محبة وبلا صدق، وغالباً بلا اخلاق وطنية أو أسرية، أو اجتماعية، أو بدائية.

تجمع بيننا وبين الايطاليين الزعبرة القاتلة، والشطارة التي لا رحمة فيها. لم ينقلب مبنى فسوح على جنبه بل تفتت بطبقاته المضافة فوق جثث الفقراء الذين لا خيار لهم سوى ضمير صاحب المبنى، أو الموت تحت المطر. من قال "إياكم أن تمدوا أيديكم الى أموال الفقراء"؟.

ابتهج لبنان بالانتصار على حقوق العمال. لا مال لهم، فعذراً. البلد يفلس اذا ارتفعت أحوالهم من تحت الرداءة الى الرداءة. لكن هناك ما يكفي من الأموال لأن تكون المواكب المؤلفة في رفقة الشبيحة والبلطجية. هناك موازنات كافية لجميع قصور الاثرياء الجدد. هناك أموال وموازنات لباقي مظاهر الفحش الاجتماعي، وفقء عيون المعوزين والمحتاجين، الليرة لا تتحمل زيادة الرواتب، لكنها تتحمل فظاعة السرقات الموصوفة والفساد والرشى المعلنة و"الاقتصادات البديلة".

غريب كيف يتصرف الاثرياء الجدد حيال رفاق الأمس، ينكرونهم ويستنكرونهم، ثم الانتصار على العمال في مهرجان تقدمه صاحب المطالب. هنا وقع الفارق حتى مع الايطاليين، على الأقل هؤلاء يثرثرون. يتظاهرون بالحزن على الضحايا ويطالبون بمحاكمة "القرصان".

على الأقل لا تقبل الهيئات الاجتماعية اهانة الضعفاء او التهريج السياسي في جنازات الموتى. في بلد القرصان الايطالي الجبان، هناك، على الأقل، شيء يدعى على الأقل. هناك صيغة ذكية للعبور فوق الجثث الى استمرارية البغاء السياسي.

كان السفير الراحل نبيه نصير يقول إن في كل بلد حزباً غير مرخص له هو "حزب رغيف الخبز"، حزب الموتى في فسوح. الحي الجديد للمهاجرين للسودانيين بعدما طردوا من الاوزاعي بسبب انهم "فحمة"! فحمة مثل مانديلا مثل مارتن لوثر كينغ مثل أوباما مثل سنغور مثل محمد علي كلاي، مثل كافور الاخشيدي. يحسن بالقبطان ان يحفظ الدرس الاول في قيادة السفن: في المحنة، أنت آخر من يخرج. أقرأ تاريخ حرب المحيط الهادي. الهرب جريمة كالقرصنة. وأحط.

المصدر:
النهار

خبر عاجل