بعد أن أطل علينا رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون معلناً "الثورة" على الدولة التي له في حكومتها 10 وزراء، وبعد أن أغدق علينا تفسيراً جديداً و"نوعياً" للفصل بين النيابة والوزارة في "التيار الوطني الحر"، نرى من المهم جداً أن نعرض على الرأي العام حقيقة بعض المفاهيم الأساس في السياسة التي تدرّس في "المدخل إلى علم السياسة".
1- المعارضة: إن الاستعمال الأكثر عمومية في السياسة لمصطلح "المعارضة" تعريفه "جماعة أو مجموعة أفراد يختلفون مع الحكومة على أساس ثابت وطويل الأمد عادة"، أي أن "المعارضة" في جوهر الكلمة هي اختلاف في الجوهر مع الحكومة في بلد ما. إلا أن هذا التعريف لا يمكن أن يحجب عنا قدرة استعمال "المعارضة" لوصف مجموعة برلمانيّة ما في إطار تشريعي محدد يتم في نقاش مشروع قانون حكومي والتصويت عليه في مجلس النواب. في المحصّلة تضم المعارضة الأشخاص والجماعات والأحزاب التي تكون مناوئة، كلياً أو جزئياً، لسياسة الحكومة.
2- الفصل بين السلطات: فصل السلطات مصطلح صاغه المفكر السياسي الفرنسي البارون دي مونتسكيوه. وهو أحد مبادِئ الديمقراطية ونموذج في الحكم الديمقراطي للدول. هذا النموذج هو الذي يعرف أيضا بـ"Trias Politica". الاغريق أول من وضع نموذج فصل السلطات في الدساتير التي تنظم مدنهم. ومع ذلك، فإن فصل السلطات دخل حيز الاستخدام الواسع النطاق من جانب الجمهورية الرومانية أولاً، فورد في دستورها.
يهدف هذا المبدأ إلى عدم تركيز وظائف الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية في يد واحدة، وان يتم توزيعها على هيئات متعددة بحيث تباشر السلطة التشريعية أمور التشريع وتتولى السلطة التنفيذية مهمة تنفيذ القانون وتقوم السلطة القضائية بتطبيق القانون على كل ما يطرح أمامها من نزاعات. غير أن هذا لا يعني استقلال هذه السلطات عن بعضها استقلالاً تاماً، فليس هناك ما يمنع من وجود تعاون متبادل بين كل سلطة مع غيرها من السلطات الموجودة في الدولة.
يعمل هذا المبدأ على منع الاستبداد وصيانة الحريات ويحقق شرعية الدولة ويؤدي إلى تقسيم العمل وإتقانه. والمضمون الحقيقي لهذا المبدأ كما تصوره مونتسكيوه هو استقلال هذه السلطات وجعلها في ذات الوقت متساوية ومتوازية مع وجود نوع من التعاون والرقابة المتبادلة بينها بحيث إذا ما عمدت إحدى السلطات الى الاستبداد أو تجاوز اختصاصاتها أمكن لغيرها من السلطات أن توقفها عند حدودها.
3- العلاقة بين السلطات في النظام البرلماني (التعاون، التوازن والمسؤوليّة السياسيّة): تقوم العلاقة بين السلطات في النظام البرلماني على أساس التعاون(I) والتوازن (II).
I. التعاون: رغم أن الجهازين التنفيذي والتشريعي يمارسان مهامهما الرئيسة، فإن كلا منهما يساهم في بعض وظائف الجهاز الآخر. فالسلطة التنفيذية تساهم في وضع القوانين، وفي بعض الأنظمة تعطى الأسبقية لمشاريعها، ولرئيس الدولة حق طلب قراءة جديدة، كما أنه يمارس سلطة إصدار الأمر بتنفيذ القانون. أما السلطة التشريعية فتساهم في أعمال السلطة التنفيذية عن طريق إقرار القانون المالي والتشريعات اللازمة، والمصادقة على المعاهدات، إضافة إلى مراقبة العمل الحكومي بوسائل مختلفة كالأسئلة الكتابية، والشفوية، والاستجوابات، والتحقيقات.
II. التوازن: يتحقق التوازن في النظام البرلماني من وسائل الضغط المتبادلة: المسؤولية السياسية (a) وحق الحل (b):
a. المسؤولية السياسية: يقصد بهذا المبدأ بصفة عامة أن الحكومة لا يمكن أن تمارس السلطة إلا بعد الحصول على ثقة البرلمان. فممارسة الحكم رهينة باكتساب ثقة الأغلبية البرلمانية، وكل سحب لهذه الثقة يترتب عنه سقوط الحكومة. لذلك لم يعد من الضروري أن يتمتع الوزراء بثقة رئيس الدولة والبرلمان في آن واحد إلا بالنسبة لعدد قليل من الدول.
تعتبر المسؤولية السياسية الوسيلة الأساس لممارسة البرلمان مراقبة حقيقية للعمل الحكومي. وهي تتعلق بعمل الوزراء لا بعمل رئيس الدولة. ويمكن أن تكون إما فردية أو جماعية، ولكن يجب أن يطبع هذه المسؤولية طابع التضامن الوزاري. وتمارَس المسؤولية السياسية بقاعدتين مختلفتين حسب الطرف الذي يتخذ المبادرة: – طرح مسألة الثقة إذا تم ذلك بمبادرة حكومية. – نزع الثقة إذا تم ذلك بمبادرة برلمانية. (المادة 69 من الدستور اللبناني الفقرة 1: تعتبر الحكومة مستقيلة في الحالات التالية: (…) و- عند نزع الثقة منها من قبل مجلس النواب بمبادرة منه أو بناء على طرحها الثقة).
نظرا لما يمكن أن تشكله هذه الإجراءات من خطر على الاستقرار الحكومي، فإن النظام البرلماني يفترض وجود أكثريّة متماسكة، إلا أنها قد لا تكون متوفرة في حال التعددية الحزبية. وقد عملت الدساتير على تنظيم هذه الإجراءات ببعض الصرامة. فالحكومة ليست ملزمة بتقديم استقالتها إلا بعد طرح مسألة الثقة أو بعد تصويت إيجابي على سحب الثقة تفاديا لإثارة المسؤولية الوزارية بشكل مفاجئ.
كما أن الدساتير تنص على ضرورة احترام أجل معين بين طرح سحب الثقة والتصويت عليه؛ وعادة لا يقبل طلب سحب ثقة ثان إلا بعد مدة معينة، إضافة إلى ضرورة التصويت بنسبة هامة من أعضاء المجلس (الأغلبية المطلقة من الأعضاء أو ثلثي الأعضاء).
b. حق الحل (حل البرلمان): يقصد بهذا الإجراء العمل على عرض الخلافات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على الناخبين. ويعرف الحل بأنه قرار رئيس الدولة بوضع حد لممارسة البرلمان لمهامه قبل انقضاء المدة العادية لولايته التشريعية. وتعتبر هذه الممارسة تحريفا للنظام البرلماني المطبق في بريطانيا مهد هذا النظام، حيث أن هذا الحق يملكه الوزير الأول.
إن الدساتير تخول هذا الحق لرئيس الدولة (رئيساً أو ملكاً) ليمارسه بمقتضى سلطته التقديرية، أو وفق شروط دقيقة للحد من فعاليته: كحال حصر استعمال هذا الحق بعد وقوع أزمات وزارية متعددة، أو قد يمنع من استعمال هذا الحق خلال أجل محدد. وهذا ما كان يكفله الدستور اللبناني لرئيس الجمهوريّة، إلا أن "اتفاق الطائف" وبعد خطوة الجنرال عون المتهوّرة بحل مجلس النواب نقل هذه الصلاحيّة إلى مجلس الوزراء مجتمعاً وأبقى فقط على طلب الحل من ضمن مهام رئاسة الجمهوريّة. (اتفاق الطائف الباب 2- الإصلاحات السياسية الفقرة دـ مجلس الوزراء: تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء. ومن الصلاحيات التي يمارسها: (…) 5- الحق بحل مجلس النواب بناءً على طلب رئيس الجمهورية، إذا امتنع مجلس النواب عن الاجتماع طوال عقد عادي أو استثنائي لا تقل مدته عن الشهر بالرغم من دعوته مرتين متواليتين أو في حال رده الموازنة برمتها بقصد شل يد الحكومة عن العمل. ولا يجوز ممارسة هذا الحق للأسباب نفسها التي دعت إلى حل المجلس في المرة الأولى).
4- مفهوم الحزب السياسي: للحزب السياسي تعريفات كثيرة اختلفت باختلاف وتنوع الأيديولوجيات والمفكرين الذين تناولوا هذا الموضوع بالبحث والتحليل. فهناك من ركز على أهمية الأيديولوجية حيث رأى إن الحزب هو اجتماع عدد من الناس يعتنقون العقيدة السياسية نفسها، ورأى آخرون أن الأحزاب تعبير سياسي عن الطبقات الاجتماعية، وهناك من رأى أنها جمعيات هدفها العمل السياسي، وآخر رأى أنها تكتل المواطنين المتحدين حول ذات النظام، إلى غير ذلك من التعريفات.
بشكل عام يمكن تعريف الحزب السياسي بأنه: "مجموعة من المواطنين يؤمنون بأهداف سياسية وأيديولوجية مشتركة وينظمون أنفسهم بهدف الوصول إلى السلطة وتحقيق برنامجهم".
وفي سياق متصل، بعض الأحزاب السياسيّة تعتمد مبدأ ما يسمى "فصل النيابة عن الوزارة" أي أنها لا تجمع بين المنصبين في شخص واحد. وذلك لفتح باب المشاركة في السلطة أمام اكبر عدد من محازبيها كما لإعطاء كل منصب حقه من أجل تحقيق برنامجها الذي وعدت به الشعب قبيل الإنتخابات. فالشعب في النظم الديمقراطيّة يتمتع بحق المحاسبة والمساءلة لمن ينتخبهم ممثلين عنه. فكي لا يقصّر النائب بمهامه بسبب انشغالاته الوزاريّة الأمر الذي يمكن أن يرتب نقمة شعبيّة عليه في دائرته قد تخسر الحزب هذا المركز، وكي لا يقصر الوزير النائب في عمله الوزاري بسبب انشغاله بمهامه التشريعيّة ما يمكن أن يرتب نقمةً وطنيّة على الحزب بسب هذا التقصير، ارتأت هذه الأحزاب أن تفصل بين المنصبين لخيرها وخير برنامجها وخير المواطن في آن واحد.
بالإرتكاز إلى هذه المفاهيم العامة في السياسة يمكن أن نرى فظاعة ما ارتكب الجنرال عون في كلمته بعد اجتماع التكتل في الرابية بحق "علم السياسة".
بناء على ما تقدم:
– لا يمكن لعون أن يكون معارضاً لسياسات الحكومة العامة وهو ممثل بـ10 وزراء داخلها. فلا وجود "لمعارضة حكوميّة" في "علم السياسة".
– لا يمكن لعون أن يحوّر مبدأ "الفصل بين النيابة والوزارة" لكي ينعم حزبه بمغانم الوزارة وشعبية المعارضة. هذا الفصل لا يطال أبداً مبادئ الحزب العامة وسياساته وإنما هو فقط إجراء إداري، ولا يمكن التلطي وراءه من أجل طمس حقيقة "إنفصام التيار الشخصي".
– لا يمكن لعون التملص من تحمل المسؤوليّة السياسيّة أمام الشعب في ما ترتكبه هذه الحكومة من مآسي. لأنه بالإرتكاز إلى التوازن في العلاقة بين السلطات في النظم البرلمانية، فالمسؤوليّة السياسيّة التي تحملها السلطة التشريعيّة للتنفيذيّة يمكن أن تكون فرديّة (ترتبط بالوزير المعني) أو جماعيّة (ترتبط بالحكومة مجتمةً)، إلا أنه لا يمكن لعون التملص من هذه المسؤوليّة في كلتا الحالتين. ففي الأولى صهره هو وزير الطاقة أما في الثانيّة فالتوزيع العادل للمسؤوليّة بالإستناد التضامن الوزاري يفرض على "التيار العوني" تحمل 1/3 منها أي بقدر ما يمثل.
– النظام البرلماني يفترض وجود أكثريّة متماسكة، تفضي إلى تأليف حكومة. فأي أكثريّة هذه التي يشكل عون جزءاً منها؟ وأي تماسك بدا الثلثاء في ما نطقه به عون من على منبره البرتقالي؟
– لا يمكن لعون القول إن وزراءه "سيتابعون المناقشات والعمل في الحكومة فيما نواب "التيار" سيكملون ما يقومون به"، لأن أبسط تعاريف "الأحزاب السياسيّة" تفرض أن يكون لمجموعة البشر التي تؤلف الحزب سياسةً واحدة وبرنامجاً واحداً وأهدافاً واحدةً وإيديولوجيّةً سياسيّةً واحدةً. فكيف لنا أن نفهم البرنامج الواحد والسياسة الواحدة في ما قال؟؟؟
– لا يمكن لعون أن يطلّ على اللبنانيين بخطاب شعبوي دمر من خلاله أسس قيام النظام الديمقراطي البرلماني، فهذا النظام وإن فرض الفصل بين السلطات إلا أنه يفرض التعاون فيما بينها. وإن كان عون حقاً نائباً عن الأمة إلا أنه يفترض عليه التعاون مع الحكومة. فكي تكون معارضة أي قرارٍ هادفة عليها أن تكون تدريجيّة، أي أنها تقوم بالتصعيد تدريجياً بدءاً من القنوات القانونيّة عبر الحوار داخل الحكومة من ثم استعمال حق المساءلة النيابيّة في مجلس النواب وأخيرا حق التعبير عن الرأي والتظاهر في الشارع.
في هذا الإطار، لم نر الجنرال عون يتقدم بسؤال عبر رئيس مجلس النواب للحكومة بشخص رئيسها ومن يعتبره مسؤولاً عن تردي الوضع الكهربائي! فالتنطّح بالإنتماء إلى السلطة التشريعيّة عبر القول "نحن النواب نمثل الشعب وفي يدنا سلطة المحاسبة" لا يكون باللجوء إلى الشارع، لأن الشارع حق معطى لكل الشعب، أما صلاحيّة المساءلة النيابيّة فهي ما تميّز ممثل الشعب في النظم البرلمانيّة.
خلاصة كل ما تقدم، تكمن في أن الجنرال كعادته يلجأ إلى الخطابات الشعبويّة في سياسته المماثلة لـ"ركوب دراجة بدولاب واحد" تعتمد على "التدويس الدائم" أي خلق المعارك الإعلاميّة الوهميّة بشكل دائم. فهذه المعارك التي لم توفر في تشويهها لا رموز دينيّة ولا مجتماعات ولا دولاً ولا أجزاباً ولا أفراداً أو إعلاماً، ها هي اليوم تضرب جوهر "علم السياسة" بخنجر برتقالي فقط كي يبقى للجنرال سبب ليطل على اللبنانيين عصر كل ثلثاء.
جنرال الرابيّة ما زال هو هو "جنرال بعبدا" عاشق الشعارات البراقة والخطب الرنانة. فمِن "لا بندقيّة تعلو بندقيّة الجيش" إلى "هز المسمار" مروراً "برد الحق لصحابو" وصولاً إلى "طانيوس شاهين الكهرباء" "ما في خيالي ع الخيال ولا في بطل جايي".