مع حلول الذكرى السنوية الأولى لانطلاق ما يسمى الربيع العربي، لا يمكن إغفال ما شهده هذا العام من تغيرات في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدول العربية. لذا، يعتبر العدد الحالي من المسح الاقتصادي والاجتماعي الذي تصدره اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) عدداً مميزاً؛ إذ أنه يوثق الواقع الراهن والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في 14 دولة عربية خلال العام المنصرم، والذي حولته الأحداث إلى عاماً مفصلياً، وأساساً للمقارنة مع السنوات التي ستلي على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. ويهدف المسح إلى تقديم نظرة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي لعام 2011 والتوقعات لعام 2012، في حين سيتم التوسع في تحليل بعض المواضيع في منشورات أخرى للإسكوا. فقد وَضعت أحداث الربيع العربي الأسس التي سادت في الاقتصادات العربية خلال العقود الماضية تحت الاختبار، وذلك عبر إعادة نظر شاملة للاقتصاد السياسي للعقد الاجتماعي السابق. ويقدم المسح بالدرجة الأولى نظرة تقنية للعناصر والمتغيرات الأساسية التي تؤثر على الاقتصادات العربية، ويهدف في نفس الوقت إلى سد الفجوة بين المجالين الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة.
رفع الربيع العربي توقعات المواطنين بخصوص تحسين مستوى المعيشة وتحقيق الازدهار. لكن التوتر السياسي المستمر حالياً في المنطقة والضغوطات الخارجية (الأزمة المالية العالمية لعام 2008 وأزمة اليورو الحالية وأزمة الديون الأمريكية) تخلق مناخاً من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. لذا، يتوقع المسح انكماشاً كبيراً (تراجع في نسب نمو الناتج المحلي الحقيقي) نتيجة عدم الاستقرار السياسي في اقتصادات السودان (من 5.5 في المائة عام 2010 إلى سالب 1 في المائة عام 2011)، وفي الجمهورية العربية السورية (من 5.5 في المائة عام 2010 إلى سالب 2 في المائة عام 2011)، وفي اليمن (من 3.5 في المائة عام 2010 إلى سالب 2.5 في المائة عام 2011). وستطال هذه الآثار الاقتصاد اللبناني (يتوقع أن يتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي من 7 في المائة عام 2010 إلى 2.5 في المائة عام 2011). ففي الإجمال، سيتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي للدول ذات الاقتصادات المتنوعة من 3.8 في المائة عام 2010 إلى 2.7 في المائة عام 2011.
نمو دون فرص عمل
رغم أن الدول ذات الاقتصادات المتنوعة شهدت في عام 2010 عاماً آخراً من النمو واستفادت من مناخ خارجي إيجابي من حيث تحويلات العاملين، وازدهار في السياحة والاستثمار، يركز المسح على ضعف قدرة النمو في خلق فرص عمل. فباستثناء عام 2009، أدى النمو المستمر في الإنتاج الذي شهدته الدول العربية منذ عام 2003 إلى تراجع طفيف وغير ملموس في البطالة. فارتفاع البطالة، خاصة عند الشباب، هو أحد الأسباب الرئيسية للحراك الشعبي في الدول العربية، بالإضافة إلى عدم فاعلية برامج الحماية الاجتماعية وانتشار القمع السياسي. كما لم يترجم هذا النمو إلى توزيع أكثر إنصافاً للدخل ولا إلى استراتيجيات مستدامة وطويلة الأمد.
تدفق رأس المال والإمكانيات غير المستغلة
يمثل تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول العربية في عام 2010 حوالي 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تمثل تحويلات العاملين حوالي 4 في المائة. ويعتبر الاستثمار الأجنبي المباشر وسيلة لخلق فرص عمل، لكن أغلب الاستثمار الأجنبي المباشر في دول منطقة الاسكوا يسعى إلى الربح السريع والقصير الأجل وبالتالي لا يساهم بشكل أساسي في خلق فرص عمل كافية ومستقرة. كما أن مساهمة هذه الاستثمارات في نقل التكنولوجيا محدود للغاية، إذ أن أغلبها يتجه إلى قطاعي التعدين والعقارات وليس إلى قطاع الصناعة. ونظراً لمرونة واستمرار تحويلات العاملين خلال الأزمة الاقتصادية، سوف يزداد دورها الإنمائي ودورها في الحد من الفقر. ويدل المسح على أن تدفق التحويلات إلى الدول النامية، ومن ضمنها الدول العربية، تراجع بنسبة 5.4 في المائة عام 2009 ثم ارتفع بنسبة 5.6 في المائة عام 2010، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 7.3 في المائة و 7.4 في المائة و 7.9 في المائة في الأعوام 2011 و 2012 و 2013، على التوالي.
وفيما يتعلق باستغلال إمكانيات الاستثمار الأجنبي المباشر وتحويلات العاملين، فإن ذلك يتطلب تحسينا كبيرا للبنية التحتية للنظام المالي. ويتركز النفاذ إلى التمويل حالياً بيد المؤسسات الكبرى التي تحصل على الجزء الأكبر من التمويل في حين تحصل الشركات الصغيرة والمتوسطة على مجرد 8 في المائة من إجمالي القروض في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، من شأن توسيع برامج التمويل الصغيرة (حالياً تشكل مجرد 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة) أن يوفر فرص عمل إضافية وأن يحقق مشاركة أكثر توازناً في سوق العمل.
وفي ظل الفرص التي يوفرها التكامل الإقليمي، يركز المسح على موضوع أساسي وهو إمكانية التكامل، خاصة في المجال المالي، بين مجموعات الدول الثلاث في المنطقة: الدول المصدرة للنفط، والدول ذات الاقتصادات المتنوعة، وأقل الدول نمواً. وقد ساعد ارتفاع أسعار النفط في خفض الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة من 34.4 في المائة عام 2010 إلى 26.2 في المائة عام 2011. أما في دول مجلس التعاون الخليجي، انخفضت هذه النسبة من 14.3 في المائة عام 2010 إلى 10.8 في المائة عام 2011، كذلك انخفضت من 75.9 في المائة إلى 62.5 في المائة على التوالي في الدول الأخرى الأعضاء في الإسكوا. فرغم أن إجمالي الدين العام ارتفع، إلا أن الارتفاع في الناتج المحلي الإجمالي كان أكبر، مما أدى إلى خفض قيمة الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن هنا، يمكن ملاحظة اتجاهين مستقلين: الأول، تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بفائض في الحساب الجاري (أي فائض في الميزان التجاري للسلع والخدمات كما في صافي دخل الاستثمار كنتيجة للأصول الخارجية وصافي التحويلات) لم يؤثر عليه العجز في الحساب المالي (أي التدفق إلى الداخل والخارج لمختلف أنواع رؤوس الأموال مثل استثمارات المحافظ، والاستثمار الأجنبي المباشر والودائع المصرفية)، مما أدى إلى ارتفاع هام في الاحتياطي الأجنبي. والثاني هو عجز في الحساب الجاري في الدول ذات الاقتصادات المتنوعة. ففي حين تمكنت دول مجلس التعاون الخليجي من المحافظة على سياسات مالية توسعية والابتعاد عن السياسات المالية التقشفية المنتشرة في العالم، وضعت الدول ذات الاقتصادات المتنوعة قيوداً على سياساتها المالية ما كان له آثار على الإنفاق على السياسة الاجتماعية.
الدينامية الاجتماعية للتغيير
يؤكد مسح الإسكوا على دور السياسة الاجتماعية كرابط قوي بين بلورة واستدامة الأنظمة السياسية والاقتصادية في المنطقة والتي بإمكانها أن تجمع بين الديمقراطية والتنمية.
تترافق البطالة في المنطقة، خاصة البطالة المرتفعة لدى الشباب، مع إنتاجية ضعيفة للعمال وتنامي القطاع غير النظامي؛ ويصعب احتساب الإنتاجية وحجم القطاع غير النظامي. هذه المشاكل ليست دورية، بل هي تحديات هيكلية عميقة تمنع الدول من استغلال إمكانياتها الإنتاجية بالكامل والحد من الفقر. فتقييم نسبة الفقر في الدول العربية من خلال استخدام 1.25 دولار في اليوم كخط أدنى، يعطي نتائج ضعيفة، أقل من 5 في المائة خلال العقد الماضي. في حين أن زيادة الحد الأدنى إلى 2.75 دولار في اليوم تضم 40 في المائة من السكان. وبظل هذه الأمور، يعد إصلاح قطاع التعليم في الدول الأعضاء في الإسكوا ضرورة اقتصادية واجتماعية تتناول ما يلي: أولاً، يساهم التعليم بنسبة ضئيلة في الحركة الاجتماعية في المنطقة؛ ثانياً، بسبب عدم وجود تطابق بين المهارات المطلوبة في سوق العمل وبرامج التدريب، لا يساهم التعليم، بمقدار كبير، في الحد من مشكلة البطالة في المنطقة؛ ثالثاً، لا تسمح نوعية التعليم الضعيفة في المنطقة من تطوير قاعدة مهارات صلبة وأساسية للمواطنين للمنافسة في الاقتصاد العالمي. ويعزز النقص في التعليم جمود سوق العمل في الدول الأعضاء في الإسكوا، لذا فإن اللجوء إلى التعليم الجيد للجميع هو شرط لتحسين النوعية ولتزويد الطلاب بالمهارات المطلوبة في سوق العمل المنتج.
كذلك الأمر بالنسبة للرعاية الصحية الأساسية في الدول الأعضاء في الإسكوا، إذ أنها لا تتوفر لكافة المواطنين. فلا تزال الدول بحاجة إلى الكثير لتوفير الرعاية الصحية مجاناً أو بدعم من الحكومة. فالرعاية الصحية العامة متوفرة أساساً لموظفي القطاع العام، إذ يتمتع ما بين 30 و 40 في المائة فقط من سكان الدول الأعضاء في الإسكوا بالرعاية الصحية العامة. ففي حين تتوفر الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل أفضل من تلك المتوفرة في باقي الدول الأعضاء، لكنها لا تغطي العمال الوافدين، غير المواطنين.
الطريق المستقبلي
من خلال التركيز على الإنجازات من جهة والعجز الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى، يحاول المسح بلورة سياسة شاملة، من خلال دمج سياسات الاقتصاد الكلي مع السياسات الاجتماعية. وفي قراءة لسنة استثنائية من الثورات والتغيرات الجذرية، تسمح الأرقام وتحاليل الوضع الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة من تقديم استنتاجات هامة وتمهد إلى بلورة سياسات شاملة:
1- سياسة الإقصاء الاقتصادي التي كانت معتمدة في العقد المنصرم لا يمكن التمسك بها فيما بعد. فاعتماد الاقتصاد، كمتغير وحيد، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كمقياس رئيسي، غطى على وجود عجز هيكلي في دول ومجتمعات منطقة الإسكوا. ويعد عدم الاستقرار الاجتماعي تحدياً قصير الأمد، يمكن أن يتحول إلى فرص طويلة الأمد من خلال مزج سياسات الاقتصاد الكلي والجزئي مع السياسات الاجتماعية ضمن إطار الحوكمة الرشيدة والشاملة.
2- يعتبر التنويع الاقتصادي، والمنافسة، والتكامل الإقليمي، وتطوير الأسواق المالية، وربطها ببرامج اجتماعية شاملة، توجهات أساسية للسياسات، على الدول الأعضاء تبنيها فوراً. وتعتبر معظم مؤشرات الاقتصاد الكلي في منطقة الإسكوا جيدة مقارنة بالمناطق الأخرى، وتدل على آفاق إيجابية يمكن الاعتماد عليها لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، ولتحسين الهامش الضريبي لدعم خلق فرص عمل على المدى القصير ودعم التغيرات الهيكلية على المدى الطويل والاستثمار في البنى التحتية الاجتماعية والإنتاجية مع تدخلات جغرافية محددة.
3- إن منطقتنا فريدة عالمياً، إذ أن بإمكانها التصدي للتحديات من خلال تكامل إقليمي أكبر، خاصة بين الدول ذات الفائض وتلك ذات العجز في سوق العمل، ورأس المال، والأرض، والأسواق، والمعرفة. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر التعاون الإقليمي إستراتيجية يمكن الاعتماد عليها لتناول نقاط الضعف الموجودة في المجال البيئي، خاصة ندرة المياه وأسعار الغذاء. وفي المقابل، اعتماد وسائل مستدامة في الزراعة وفي استخدام المياه يوفر فرص عمل صديقة للبيئة، ويحد من الفقر في الأرياف ويساهم في الأمن الغذائي.
مع خوفنا من أن نبدو وكأننا نكرر أنفسنا، يبدو أننا على مفترق طرق. فعلى صانعي القرار في المنطقة الاختيار بين إصلاحٍ هيكلي يرتكز على التكامل الإقليمي أو مواجهة تحديات الاقتصاد العالمي المتأرجح. وفي كلتا الحالتين، فإن نهج الاستبعاد للمواطنين الذي ساد سابقاً أصبح غير قابل للتكرار.
*مدير إدارة التنمية الاقتصادية والعولمة في الإسكوا