مع حضور وزير الخارجيّة السعوديّ سعود الفيصل اجتماعات اللجنة الوزاريّة العربيّة المعنيّة بسوريّا ومشاركته في مجلس وزراء الخارجيّة العرب، ثمّ مع إعلانه سحب المراقبين السعوديّين وبعدَ ذلك التفاف دول مجلس التعاون الخليجي حول هذا الموقف وسحب مراقبي الدول الخليجيّة جميعهم، شعرَ النظام السوريّ بالذعر في مقابل شعور الشعب السوريّ بالارتياح.
يعلمُ نظام الأسد أنّ قيادة المملكة العربيّة السعوديّة التي تتعامل مع الملفّات بنوع من الهدوء والصبر والتروّي في العادة، لا تتّخذ موقفاً "راديكاليّاً" إلّا عندما تدرك تماماً أنّ ثمّة أفقاً مسدوداً في وجه المساعي السياسيّة "العاديّة" أو أنّ ثمّة استغلالاً للتروّي الذي تعتمده، أي عندما ترى أنّ "هزّ العصا" صار ضروريّاً. وبالفعل، فقد أوضح الوزير الفيصل أنّ بلاده ترفض أن يكون مراقبوها ضمن البعثة العربيّة شهود زور حيالَ عنف النظام في سوريّا وإمعانه في قتل شعبه، مؤكّداً أنّ المملكة التي لا ترى مساراً سياسيّاً للتغيير في الأفق لن تغطّي موقفاً سياسيّاً عربيّاً لا يرقى إلى مستوى خلاص الشعب السوريّ من عذاباته.
والأهمّ أنّ نظام الأسد يعلم أنّ موقفاً حازماً من المملكة العربيّة السعوديّة يعني منعطفاً عربيّاً فاصلاً، أي أنّ قيادة الرياض للموقف العربي الحازم تعني أنّ الأبواب العربيّة باتت مغلقة أمامه وأمام مراوغاته، بل تعني أنّ لا مدى عربيّاً متاحاً له. فالمملكة كانت خلال عقود أحد ركنَي النظام العربيّ مع مصر، لكنّها اليوم، خصوصاً في انتظار أن تنهضَ "مصر الإقليميّة" من جديد، وفي ظلّ قيادتها – أي المملكة – لأكبر كتلة عربيّة هي الكتلة الخليجيّة و "أخواتها"، تمثّل الرقم العربيّ الأوّل. أمّا أن يقول وزير خارجيّة نظام دمشق وليد المعلّم إنّ نظامه يتبرّأ من المبادرات العربيّة، فذلك مكابرة وخوف من ناحية، واعتراف ضمنيّ بخسارة متحقّقة من ناحية ثانية: فعندما تخسر سوريّا المملكة السعوديّة فهي تخسر الموقف العربيّ وتخسر معه التروّي الدوليّ أو البطء الدوليّ. ولم يكن مستغرباً والحالةُ هذه أن ينفتح الموقف السعوديّ مباشرة على تحرّك جديد للمجتمع الدوليّ وأن "ينعش" هذا الموقف الاتّصالات العربيّة – الدوليّة و الدوليّة – الدوليّة لا سيّما الاتّصالات الأميركيّة – الأوروبّية – الروسيّة.
إذاً، إنّ شعور نظام الأسد بالذعر مفهوم وشعور الشعب السوريّ بالارتياح في محلّه.
ولا يمكن أن يخفى على المتابعين والمحلّلين أنّ الموقف السعوديّ ليس فقط موقفَ "شهامة عربيّة"، بل إنّ هذه الموقف ليسَ مجرّد موقف من "الحدث السوريّ".
ذلك أنّ الرياض – ومعها دول الخليج العربي – تواجه منذ مدّة مشروعاً إيرانيّاً يتوسّل التمدّد في الدول الخليجيّة وإيجاد بؤر متفجّرة وتحريك اضطرابات داخلها، فضلاً عن البرنامج النوويّ الإيرانيّ الذي يهدّد تطويرُه من جانب طهران خارج المعايير السلميّة الدوليّة ساحة الخليج. وأبلغُ دليل على ذلك تهديد إيران بإغلاق "مضيق هرمز" حيناً وتهديدها دول الخليج في ما يتّصل بإنتاجها للنفط وحجم هذا الإنتاج حيناً آخر. وباختصار فإنّ المملكة العربيّة السعوديّة التي سبق لها قبل سنوات أن حدّدت إيران مصدر خطر عليها وعلى الساحة العربيّة ككُلّ، تواجه هذا الخطر بل هي تتصدّر المواجهة العربيّة لهذا الخطر، و تخوض حياله صراعاً سياسيّاً متصاعداً في الآونة الأخيرة.
لقد سعت القيادة السعوديّة طوال الأعوام الماضية ليسَ إلى فكّ النظام السوريّ عن إيران "حرفياً"، بل إلى جعل نظام الأسد ينضبط تحت سقف المصالح العربيّة في علاقته بإيران وتحالفه معها. لكنّه لم يكترث لا في العراق ولا في لبنان… ولا في فلسطين.
بالتأكيد ليست للرياض مصلحةٌ، في إطار صراعها المتصاعد مع إيران، في أن يكون ثمّة نظام يفتح أبواب سوريّا بـ"مناسبة" أزمته لمزيد من الحضور الإيرانيّ في هذا البلد. غير أنّ ما يحقّ للمملكة السعوديّة أن تخشاه هو أن تتحالف دمشق النظام مع طهران باتّجاه الهروب إلى الأمام والعبث في الإقليم وتفجيره. وبهذا المعنى فإنّ الموقف السعوديّ الأخير هو موقفُ المسؤوليّة عن الأمن القومي العربيّ الذي يشكّل النظام السوريّ المنغلق على شعبه في الداخل خطراً جسيماً عليه، وهو موقفُ الإنذار في جميع الاتّجاهات من خطر تمادي نظام الأسد في إراقة الدماء السوريّة.
لا مفرّ إذاً مِن أن يكون واضحاً أنّ موقف المملكة السعوديّة هو بالقدر ذاته دعمٌ للشعب السوريّ في ثورته في زمن التغيير العربي الذي تعيه المملكة وتواكبُه بإجراءات إصلاحيّة في الداخل وبتصدّر النظام العربيّ، وهو غطاءٌ لسلام المنطقة العربيّة. وإذا كان يجوز القول إنّه "عندما تأخذ الرياض موقع الصدارة والتصديّ فزيحوا من الطريق"، فيجوز القول أيضاً إنّ الموقف السعوديّ حيالَ التطوّرات السوريّة يصبّ في مصلحة لبنان. لبنان الذي يواجه منذ شهور انتهاكات النظام السوريّ لسيادته وسلامة أراضيه وأمان بنيه، وتهديدات إيران له من داخله ولحدوده الجنوبيّة هو بأمس الحاجة إلى الرعاية العربيّة، ولا شكّ أنّ في الموقف السعوديّ من سوريّا تحذيراً بشأن أمان الجوار العربيّ، ولبنان في المقدّمة.
قبلَ أكثر من عام نفضت الرياض يدَها ممّا سمّي " الـ س.س"، أي من المحاولة السعوديّة مع سوريّا النظام بعدَ أن أصرّ الأسد على التلاعب بلبنان. نفضت يدها وراحت تراقبُ عن بعد نسبيّ. لكن عودة الـ "س" السعوديّة إلى المقدّمة تؤذن بمظلّة آمنة للبنان. مظلّة باسم العرب لسلام العرب وسلام لبنان.