قلّة قليلة جداً من المقربين منه، تستطيع الزعم انها قادرة على متابعة ومعرفة حركة العماد ميشال عون السياسية، والاشارة بدّقة الى النتائج التي ستنتج منها، ايجابية كانت ام سلبية، نظرا الى تفرّد عون بقراراته وعدم اطلاع احد عليها، الا لعدد محدود يعتبرهم من اهل البيت، من هؤلاء القلّة، اللواء عصام ابو جمرا نائب رئيس الحكومة العسكرية العماد ميشال عون، ونائب رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، والرجل الثاني بعد عون، ممن اسّسوا التيار الوطني الحر، ويفترض انهم نقلوه من الحالة العونية الشعبوية، الى حالة التيار فالحزب، الامر الذي لم يتم، وكان واحدا من اسباب الخلاف بين ابو جمرا وعون وابتعاد الاول، مع حكماء وقياديين اخرين، مشكّلين حالة تصحيحية في محاولة لاعادة تصويب النهج والمسار المتفق عليهما بين القيادات المؤسسة، وقفز فوقهما العماد عون، كما صرّح هؤلاء في اكثر من مناسبة، واعاد التيار الى حالته العونية الاولى، بعيدا من الشفافية والديموقراطية والقيادة الجماعية، واللواء ابو جمرا كما هو معروف، عاش الحلو والمرّ مع العماد عون، اثناء الحكومة العسكرية وحروبها الداخلية مع عدد من القيادات المسيحية، وحربها ضد الجيش السوري، وصولا الى لجوئهما الى السفارة الفرنسية مع الوزير الثاني في حكومة عون العسكرية اللواء ادغار معلوف، وابعادهم لاحقاً الى فرنسا، وهناك من يقول ان وصول العماد عون الى ما هو عليه اليوم، ما كان ليحصل لو ان اللواء ابو جمرا انضم الى الضباط الثلاثة المسلمين الذين عيّنوا وزراء في الحكومة العسكرية، ورفضوا المنصب، تحت الضغط السوري، كما قال عون، او بملء ارادتهم كما صرّحوا هم، لان الامر لم يعد الآن مهما، كون الحكومة العسكرية باستقالة احد الوزراء المسيحيين كانت ستسقط فوراً، لكنه آثر البقاء، وتحمّل الاخطار المرتقبة الى جانب عون والمعلوف.
بعد انقطاع الامل بمساعي التوفيق بين الرجلين، بدأ ابو جمرا بتوجيه انتقادات ونصائح، دون ان يقطع شعرة معاوية مع عون، لكن الاخير، وفق قياديين سابقين في التيار، حسم امره وقطع سنوات طويلة من العلاقة والصداقة والتعاون، وليس شعرة معاوية وحسب، وبدأت الانتقادات والاتهامات تشتد وتتصاعد، وكان اهمها ما صرّح به اللواء ابو جمرا منذ ثلاثة ايام، بعد دعوة العماد عون اللبنانيين الى التظاهر احتجاجا على تعطيل مساعي وزير الطاقة والمياه جبران باسيل لاصلاح وضع الكهرباء والخطة الموضوعة لهذا الغرض، وحذّر ابو جمرا، بصيغة التأكيد، والعارف، والقريب من القاعدة الشعبية، ان التيار العوني بسبب سياسات عون ومواقفه غير السليمة، لن يتمكن مستقبلاً من انجاح نائب او ايصال وزير، او حتى الفوز ببلدية.
***
تصريح ابو جمرا، لا يأتي من العدم، بل اتى من مراقبة عمل وزراء التيار، وتخبطهم، في مواقف وتدابير وسياسات كيدية ونكدية، وتسديدا لفواتير سياسية وغير سياسية. وربما يكون ابو جمرا قد استشعر مخاطر اقحام التيار في خطاب طائفي، بعد وضع الوزير جبران باسيل مسؤولية انقطاع الكهرباء شبه الدائم، على عراقيل متعمّدة من جهات لم يسمّها لمنع انجاح خطة الكهرباء، وعلى الذين لا يدفعون الفواتير، او يسرقون الكهرباء، دون ان يسمّي احداً، وعلى العاصمة بيروت التي تنعم بالكهرباء لمدة 21 ساعة من اصل 24 ومسارعة العماد عون الى شدّ إزر الوزير باسيل ونصرته بدعوة المواطنين الذين يدفعون فواتير الكهرباء الى التظاهر ضد جهة لم يحدّدها بعد، ومكان وموعد ما زالا في ذمّة الغيب، ربما بانتظار ردّ ما على رسالته التهديدية كما جرت العادة دائماً، مع علم الجنرال ان التظاهرة اذا حصلت، لن يشارك فيها معظم حلفائه لانهم لا يدفعون فواتير الكهرباء، امّا تناول بيروت وحدها دون سواها بأنها تأخذ الكهرباء من درب المواطنين الاخرين، فالهدف هو التصويب على تيار المستقبل ومن يمثّل، لأن التدبير الخاص بالعاصمة مأخوذ منذ سنوات طويلة والاسباب معروفة، لكنها تختلف عن الاسباب الشخصية والانتخابية التي تدفع الى تخصيص مدينة او بلدات في قضاء البترون وغيره من الاقضية بساعات تغذية لا تعرف الانقطاع.
العماد عون، والوزير باسيل، لا يريدان مع الاسف اكل العنب وتحييد الناطور الذي يحافظ على القوانين، وعلى حسن تصرّف الوزراء، وعلى اتّباع الآليات الصحيحة لتنفيذ المشاريع، وملء الشواغر، بل يريدان اكل العنب، ورشق ناطور الدستور بالاتهامات والادّعاءات التي مجّها الناس، وفقدت صلاحيتها، ولم تعد تعني شيئاً للمواطنين المقهورين، اليائسين من حكومة عاجزة، ووزراء بدلاً من العمل الجاد لتعميم نعمة الخدمات على كل الناس، يحسدون البعض على ما عندهم، ويعملون على حرمانهم منه.
فؤاد ابو زيد