كتبت هالة حمصي في "النهار":
على ما يشبه درجًا، كانت تقف سميرة. قلق لاح في عينيها، ودمعة كرّت على الخد. "وين بدنا نروح؟"، تسأل بحزن. المنزل الذي تبيت فيه اقل ما يقال عنه انه مرشح جيد للانهيار. وسميرة خائفة جدا. رائحة الموت المنبعثة من مبنى فسوح المنهار على مقربة تغلغلت في الارجاء.
في كرم الزيتون – الاشرفية، منازل مزرية تقف في نفق الموت، ويواجه سكانها مصيرا قاتمًا. سميرة اضطرت الى الانتقال الى المنزل قبل 6 اشهر لانعدام الخيارات امامها. تشققات، تصدعات، باطون متآكل، جدران يائسة، منهكة: هذه هي حال بيتها. "حتى اليوم، لم يحصل اي شيء، نشكر الله…ع نية العدرا. يللا، شو بدنا نعمل؟ متل ما الله بيريد"، تقول.
250 دولارا تدفع شهريا لتأوى تحت سقف قد ينهار على رأسها في اي لحظة. مرات، طلبت من صاحب البيت ان يحضر ليعاين الوضع، "لكنه لم يفعل. لا اعرف لماذا… حتى انني لا اعرف وجهه". ولا مرة، تم استدعاء احد للكشف على البيت. "لكن هذا الامر بات ضروريا اليوم". وما يتردد عن سماسرة يعمدون الى بث اخبار عن منازل خطرة لدفع سكان الى تركها علمت به سميرة. "سمعنا عن ذلك في المنطقة. لكن احدا لم يقصدني بعد". ويبقى المطلوب "ان تهتم الدولة بالناس قليلا. نطالب بتأمين من يكشف على منازل المنطقة وبان يساعدونا في الترميم".
الجيران في الطبقة العليا يعانون ايضا الامرّين. الماء يتسرب من الارض، ولا يعرفون المصدر. "حرام، الله يعينهم. يتصلون بصاحب الملك، عبثًا"، تقول. والجيران وراء العتبة الاخرى المجاورة، يعيشون الخوف نفسه. الباب القديم المترهل يعكس حال البيت، ومايا تدرك انها تقف عند عتبة الموت… مع اولادها الصغار. "البارحة، انسلخت طبقة باطون من سقف الغرفة ووقعت ارضا. قال لنا صاحب البيت انه سيرسل الينا مهندسا، لكن احدا لم يأت. لا اعرف لماذا. قال لي: لا تنامي في البيت، لانه لن تكون مسؤوليته اذا وقع شيء ما. لكن اين انام؟ أفي الشارع".
البيت الذي تعيش فيه وعائلتها الصغيرة منذ 3 اشهر مؤلف من غرفتين صغيرتين، بايجار شهري يبلغ 300 دولار. "بالطبع انا خائفة"، تقول وهي تدل على "تفسخات اخرى" في الجدران والسقف. ومع ان الوضع مزر، لا تجد بدا من البقاء في البيت. "بالطبع، انا خائفة على اولادي… لكن ما العمل؟ لا نستطيع تأمين الايجار في مكان آخر". كل ما تطالب به هو "ان اعيش واولادي حياة "منيحة بس". نطلب من المسؤولين الاهتمام باوضاعنا".
الدرج القديم يقود الى شقة "الست وردية". كل شيء في البناء، بدءا من المدخل وصولا الى التفاصيل الداخلية، ينبئ بترهل مزمن خطير. تشققات، تفسخات مزمنة استوطنت جدران البيت، من الداخل والخارج. وتضيف اليها وردية معلومة خطيرة: "لا عواميد تستند اليها الجدران. هذا ما اعرفه".
18 عاما مضت على عيش وردية في المنزل. لم تُعلم صاحب البيت بسوء الاوضاع، "ولا يأتي هو ليطمئن. واذا اضطررت الى ان اصلح شيئا ما فيه، فعلى قدر حالتي، وأقل من قدّي"، تقول. مرارا، "دلف" السقف ماء. لكن وردية عالجت المشكلة بنفسها، "بقليل من الاسمنت"، لتسد الثقوب. النقوش المتوزعة في السقف تثبت كلامها. "سكرتهن. لكنني خائفة كثيرا من الجدران المتشققة، لان لا جسر ولا اعمدة لدي".
بالطبع، خشيتها كبيرة ان ينهار البيت عليها وعلى زوجها المريض، لكن "شو بدي اعمل؟ انا متكلة على الله. ربما اذا دبر المسؤولون الامر وساعدوا في الترميم، انا ما فيي. ولو كانت لدي الامكانات المادية، لما بقيت هنا".
الحجارة الصفراء الملطخة بالاسود تخبر عن حال بيت كاثرين. الباب من "الموديل" القديم جدا: فتحة صغيرة توسطته، وتطل منها العينان على شرفة تمضي بالمخيلة الى "ايام زمان". من 20 عاما، تعيش هنا وعائلتها. تعرف جيدا ان حال البيت سيئة: هنا "شالق" الحيط، هناك تشقق، هناك التوى قليلا… واصفرار ونشّ على مد النظر. ومع الرعد والبرق، "بالطبع نشعر بالخوف من وقوع الاسوأ".
الوضع مرير، وتختصره كالآتي: "لسنا قادرين على ترك البيت بسبب غلاء الايجارات، ولا على ترميمه. ومؤجرتنا هاجرت من زمن بعيد الى الولايات المتحدة الاميركية، ولا اتصال بها، وربما ماتت هناك". في غرفة متهالكة، كان ابنها الشاب يشاهد التلفزيون، مؤثرا الصمت. ما الحل؟ "ناطرين رحمة الله"، تجيب كاثرين. وترفع نداء الى المسؤولين: "تعالوا وانظروا الى حالنا".
منطقة فسوح تؤوي هي الاخرى منازل جار عليها الزمن. بين ابنية مغترة بعلوها، بقوتها، تختبىء بيوت من كرتون. البناية التي يسكن فيها طوني من 50 عاما توحي بالخطر لما تبدو عليه من الخارج. واجهتها اصفرت جدا، وبدت جهتها الشمالية غير متماسكة، بينما هوت اجزاء من سقف شرفة الطبقة العليا، بما كشف عن الحديد. لكن طوني يؤكد "ان لا خطر علينا. لقد اكد لنا مهندس قبل اعوام ان البناية جيدة". وماذا عن تساقط اجزاء من شرفة الطبقة الاخيرة؟ يجيب: "يعاني الجيران مشكلة تسرب في الماء. لكن لا مشاكل لدينا اطلاقا".
واذا كان بال طوني مرتاحا، فان نيكول تعيش قلقا يوميا من حال منزلها (في شارع المطران عطا الله)، منذ مأساة مبنى فسوح. جدران الواجهة الخارجية التوت هنا، نهشها الزمن هناك، تشققت في اجزاء اخرى. "لا اعرف ما اذا كنا في خطر، لكننا سنسأل. وسيكشف احدهم على البناء"، تقول. غير ان الامر محسوم سلفا. فاذا جاء التقويم الهندسي سلبيا، "سنغادر بالتأكيد. وهل يجوز ان ندع البناء ينهار علينا؟".
تعيش نيكول في هذا البناء منذ ولادتها، وتقدر ان "عمره يزيد عن 80 او 90 عاما". "بالطبع، اشعر بالخوف قليلا. لكن الله هو الحامي. واكثر ما يطمئنني هو ان الوالد هو الباني. اعرف ان الطبقة السفلى مبنية بحجارة رملية، اما العليا فبالباطون". ولانه لم يعد من الممكن غض النظر عن الوضع، اعلم الجار البلدية بحال البناء. "هذا ما قاله لي". ويبقى مطلب ملح: "بالتأكيد نريد ان يساعدونا في الترميم".