الجمعة الثّالثة بعد الدّنح
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ كيرلُّسَ الأُورشَلِيمي (+387) نِعَمُ العمادِ الثَّلاث (العظة 20، 6-7)
لا يظُنَّنَّ أَحدٌ أَنَّ العمادَ ليسَ إِلَّا نعمةَ مغفرَةِ الخطايَا والتَّبنِّي الإِلٰهي، كعِمادِ يُوحنَّا الَّذي كانَ يمنَحُ مغفرَةَ الخطَايا. أَمَّا نحنُ الَّذينَ تعلَّمنا بدقَّة، فنعلَمُ أَنَّ العِماد، وإِن كانَ لتَطهيرِ الخطايا والمشاركَةِ في موهبَةِ الرُّوحِ القدُس، إِنَّما هو أَيضًا صورةٌ لآلامِ المسيحِ فينا. لذٰلكَ أَعلنَ القدِّيسُ بولس: أَوَ تجهلونَ أَنَّا، وقد ٱعتمدنا في يسوعَ المسيح، إِنَّما ٱعتمدنا في موتِه، فدُفنَّا معَهُ في المَعمُودِيَّةِ لنَمُوتَ فنحيا. وهٰذا ما كانَ يقولُهُ بولسُ للَّذينَ كانوا يؤَكِّدونَ أَنَّ العمادَ يمنَحُ مغفرَةَ الخطايا والتَّبنِّي، ولٰكنَّهُ لا يُشرِكُنا في آلامِ المسيحِ الحقيقيَّة.
يجبُ أَن نتعلَّمَ أَنَّ كلَّ ما قاساهُ المسيحُ من عذَاب، هو من أَجلِنا ولأَجلِ خلاصِنا. وقد تعذَّبَ فعلًا لا مظهرًا، ولكي نشارِكَهُ في آلامِهِ. ولذٰلكَ يعلِنُ بولسُ بكلِّ وضوح: لأَنَّنا إِذا كنَّا غُرسَنا معَهُ على شبهِ موتِهِ، فنكونَ على شبهِ قيامتِهِ أَيضًا. وحسنًا قال: قد غُرسَنا معَهُ. فبمَا أَنَّ الكرمَةَ الحقيقيَّةَ غُرسَت هنا، فنحنُ أَيضًا، إِذ نشترِكُ بمَعمُودِيَّةِ موتِهِ، نُصبِحُ وإِيَّاهُ غرسةً واحدة. وأًرجو منكً أًن تنتبِهَ لكلماتِ الرَّسول: إِنَّه لا يقول: إِذا كنَّا غُرسنا معَهُ في موتِهِ، بل: على شبهِ موتِهِ. لأَنَّ المسيحَ ماتَ فعلًا، ونفسُهُ ٱنفصلَت عن جسدِهِ فعلًا، ودفنُهُ كانَ حقيقةً واقعيَّةً إِذ لُفَّ جسدُهُ بكتَّانٍ نقيّ، وكانَت قصَّتُهُ كلُّها واقعيَّة. أَمَّا بٱلنَّظرِ إِلينا، فٱلحالَةُ تختلِف: فكانَ موتُنا شبهَ موتِهِ وآلامُنا شبهَ آلامِهِ. فأَمَّا خلاصُنا، فلمْ يكنْ شبهَ خلاص، بل خلاصًا حقيقيًّا.
الرّسالة: 2 قور 7: 2-10
فرح بولس بتوبة أهل قورنتس
2 وسّعوا لنا قلوبكم، فإنّنا لم نظلمْ أحدًا، ولم نخدعْ أحدًا، ولم نطمعْ في أحد.
3 لا أقولُ هٰذا لأدينكم. فقد قلت لكم من قبلُ إنّكم في قلوبنا، لنموتَ معًا ونحيا معًا.
4 إنّ لي عليكم دالّةً كبيرة، ولي بكم فخرًا عظيمًا. ولقدِ ٱمتلأتُ تعزية، وأنا أفيضُ فرحًا في ضيقنا كلّه.
عزاء بولس بلقاء طيطس
5 فإننا لمّا وصلنا إلى مقدونية، لم يكنْ لجسدنا شيءٌ منَ الرّاحة، بل كنّا متضايقينَ في كلّ شيء، صراعٌ منَ الخارج، وخوفٌ من الدّاخل!
6 لٰكنّ الله الذي يعزّي المتواضعينَ عزّانا بمجيءِ طيطس،
7 لا بمجيئهِ فحسب، بل أيضًا بٱلتّعزيةِ الّتي تعزّاها بكم. وقد أخبرنا بٱشتياقكم إلينا، وحزنكم، وغَيرتكم عليَّ، حتّى إنّ ٱزددتُ فرحًا.
8 وإذا كنتُ قد أحزنتكم برسالتي فلستُ نادمًا على ذٰلك، معَ أنني كنتُ قد ندمتُ، لأنّي أرى أنّ تلكَ الرّسالة، ولو أحزنتكم إلى حين،
9 قد سبّبتْ لي فرحًا كثيرًا، لا لأنّكم حزنتم، بل لأنّ حزنكم أدّى بكم إلى التّوبة. فقد حزنتم حزنًا مُرضيًا لله، كي لا تخسروا بسببنا في أي شيء،
10 لأنّ الحزنَ المُرضيَ لله يصنعُ توبةً للخلاصِ لا ندمَ عليها، أمّا حزنُ العالمِ فيصنعُ موتًا.
شرح آيات الرّسالة:
2 2 قور 12/17؛ رسل 20/33.
وسِّعوا لنا قلوبكم: حرفيًّا "سِعُونا"، ٱحتَوُونا"، "ٱستَوعِبونا". والفعل فريد في بولس، والمعنى، في بدء مقطع جديد، دعوة إلى الفهم واستيعاب. يكمّل بولس حديثًا ٱنقطع في 6/13. راجع شرح 6/14.
3 2 قور 6/11-13؛ فل 1/7.
4 2 تس 1/4؛ قول 1/24؛ 2 قور 1/4.
وتشجّع بأخباره السّارّة الّتي حملها إليه من قورنتس.
5 رسل 20/1-2؛ 2 قور 2/13.
6 آش 49/13؛ 2 قور 1/3-4؛ رسل 28/15.
طيطس: راجع شرح 2/13.
7 وقد أخبرنا: حرفيًّا "مُخبرًا إيّانا"، في صورة ٱسم الفاعل في الزّمن الحاضر، لأنّ طيطس كان يظهر فرحان وملآن عزاء، حين كان يُخبر بولس عن أهل قورنتس. وهٰذا ما عزّى بولس نفسه.
حزنكم: لم ترد هٰذه اللّفظة، في العهد الجديد، إلّا هنا وفي متى 2/18، وهي ٱستشهاد من إرميا (31/15)، لدى مقتل أطفال بيت لحم.
8 2 قور 2/4.
الرّسالة: هي الرّسالة المفقودة، وقد كتبها بولس بدموع (2/4)، وسبّبت أيضًا لمؤمني قورنتس دموعًا ثم توبة (7/9-10).
11 سي 30/23؛ 38/18؛ متّى 27/3-5؛ عب 12/17.
حزن العالم: حزن لا يُرضي الله، بل يجلب الموت. "العالم" هنا لا يعني الخليقة ولا النّاس عامّة، بل البشريّة الخاطئة المنغلقة في عتمة كبريائها وأنانيّتها، والرّافضة لله وللمسيح وللإنجيل.
الإنجيل
يو 7: 40-52
أقوال مختلفة في يسوع
40 وسمعَ أُناسٌ من الجمعِ كلامه هٰذا، فأخذوا يقولون: "حقًّا، هٰذا هو النّبيّ".
41 وآخرون كانوا يقولون: "هٰذا هو المسيح". لٰكنَّ بعضهم كان يقول: "وهل يأتي المسيح من الجليل؟
42 أمّا قال الكتاب: يأتي المسيح من نَسْلِ داود، ومن بيت لحمَ قرية داود؟".
43 فحدَثَ شِقاقٌ في الجمع بسببه.
44 وكان بعضٌ منهم يريدُ القبضَ عليه، ولٰكنّ أحدًا لم يُلقِ عليه يدًا.
45 وعادَ الحَرَس، فقال لهم الأحبار والفرّيسيّون: "لماذا لم تجلِبوه؟".
46 أجابَ الحرَس: "ما تكلَّم إنسانٌ يومًا مثل هٰذا الإنسان!".
47 فأجابهم الفرّيسيّيون: "ألعلَّكم أنتم أيضًا قد ضُلِّلتم؟
48 وهل آمنَ به أحدٌ من الرّؤساء أو الفرّيسيّين؟
49 لٰكنَّ هٰذا الجمع، الذّي لا يعرف التّوراة، هو ملعون!".
50 قال لهم نيقوديموس، وهو أحدهم، ذاك الّذي جاء إلى يسوع من قبلُ:
51 وهل تدينُ توراتنا الإنسان قبل أن تسمعهُ وتعرف ما يفعل؟".
52 أجابوا وقالوا له: "ألعلَّكَ أنتَ أيضًا من الجليل؟ إبحَث وٱنظُرْ أنّهُ لا يقومُ نبيٌّ من الجليل!.
شرح آيات الإنجيل:
40 تث 18/15-18؛ يو 6/14؛ رسل 3/22؛ 7/37.
41 يو 4/29؛ 7/26؛ رسل 9/22.
42 2 صم 7/12؛ مز 89/3-4؛ مي 5/2؛ متّى 2/5-6؛ 9/27؛ روم 1/3.
من بيت لحم: يدوّن الإنجيليّ رأيًا سائدًا مستندًا إلى ميخا (5/1)، ومؤدّاه أنّ المسيح، سليل الملك داود، سيكون من بيت لحم، وكأنّ المجمع يجهل جهلًا تامًّا مولد يسوع في بيت لحم.
43 يو 3/11؛ 9/16؛ 10/19.
44 يو 7/30.
46 متّى 13/54-56.
47-48 يعرف الرّؤساء وحدهم أن يحاجّوا يسوع في شأن التّوراة: حجج يسوع مقنعة في نظر الشّعب، واهية في نظرهم.
48 يو 12/42؛ متّى 21/32؛ 1 قور 1/26.
50-51 بعد ٱنقسام الجمع في شأن يسوع (12، 43)، وٱنقسام الحرس (44)، ينقسم الفرّيسيّون أنفسُهم.
50 يو 3/1-2؛ 19/39.
51 تث 1/16؛ 17/4.
53 يو 1/46؛ 5/39؛ 7/41.
يعبّر الرّؤساء في هٰذه الآية، وفي المقطع السّابق، عن ٱحتقارهم الجليلَ والجليليّين، أو يحرمونهم أيّ دور فعّال في تاريخ الخلاص (1/46). ودعا يهود أورشليم المسيحيّينَ جليليّين ٱحتقارًا لهم.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءَة: (زمن الدّنح المجيد، جامعة الرّوح القدس – الكسليك، 1978)
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.