سيادة الدّولة في امتلاك القرار لا في ملك العقار

من المعروف لدى الباحثين في علم السّياسة أنّ الدّولة هي مؤسّسة ناظمة لأمور البلاد وراعية لشؤون العباد، وهي تحتاج في وجودها إلى أمرين هما الشّعب والوطن، فلا وجود لدولة بدون شعب له وطن. والشعب بدون وطن يصبح من المجموعات المهاجرة التي تعيش في كنف غيرها من الدول والشعوب ولا تكون له دولته الخاصة به.

وتنقسم الدولة القائمة عندهم إلى دولة ذات سيادة وإلى دولة فاقدة لها. وهذا التقسيم هو بلحاظ قدرتها على تنفيذ ما يصدر عنها من أحكام وقرارات وقوانين وتشريعات، فإن كانت صادرة عنها بالارادة والإختيار وقادرة على الحكم بها في أرضها وعلى شعبها فهي دولة ذات سيادة، وإن كانت عاجزة عن تنفيذ ما يصدر عنها أو متلقّية للقرار من غيرها فهي دولة فاقدة للسّيادة بالكلَّية أو منقوصة السّيادة هذا إذا قلنا بأنّ السّيادة من المعاني القابلة للتّبعيض والتّجزئة.

ولا فرق عندهم من حيث النّتيجة الباعثة على توصيف الدّولة بأنّها غير ذات سيادة أو منقوصة السّيادة بين الأسباب الدّاعية إلى عدم الإقتدار على تنفيذ القرارات سواءً كانت أسباباً داخلية أو خارجية.

والسبب الدّاعي إلى هذه المطالعة المختصرة ما أثاره التّصريح المنسوب إلى الجنرال سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الإيراني عن تبعية القرار في جنوب لبنان والعراق الى السياسة الإيرانية.وقد لفت نظري تعليق بعض الوزراء في الحكومة اللبنانية على الموضوع بقوله: (القرار في لبنان هو ملك للبنانيين وحدهم. وجنوب البلاد هو أرض لبنانية…). ونحن هنا مع غض النّظر عن صحة النّسبة أو عدمها ومع الإشارة الواضحة إلى السّكوت المثير للعجب من بعض المسؤولين الّذين يعنيهم الموضوع مباشرة على صعيد الجنوب – نقول إنّ من حقّنا أن نتساءل هل القرار السّيادي على الاراضي اللبنانية وخصوصاً في جنوب البلاد هو بيد الدَّولة اللبنانية ؟. ومن الواضح لكلّ ذي بصر وبصيرة أنّ من أهمِّ التّجلّيات لسيادة الدّولة أن تكون مالكة لقرار السِّلم والحرب على أرضها وهذا ما أنكرته الدّولة مراراً واعترفت بعدم كونه واقعاً تحت يدها حيث بقي الجنوب ساحة مفتوحة للحرب الخارجة عن إرادتها مضافاً إلى ذلك الأحداث الأمنيّة المتكرِّرة والكاشفة عن وجود السّلاح الخارج عن سيطرتها في تلك المنطقة وغيرها من المناطق اللبنانية.

وهنا أُذكّر معالي الوزير بالقرار الشهير الّذي اتّخذته الحكومة اللبنانية بعد حرب نيسان سنة 96 بإرسال الجيش اللبناني إلى منطقة عمل قوّات الطّوارىء الدّولية في الجنوب. وقد قال بعض كبار المسؤولين يومئذٍ مفتخراً بالقرار بأنّ حرب نيسان ستكون آخر الحروب على أرضنا لأنّ الدّولة ستبسط سلطتها على أرضها وتمسك بقرار السّلم والحرب فيها وقد فرحنا في الجنوب وكل اللبنانيين بذلك القرار لأنّنا كنّا بانتظاره منذ أن دعا الإمام الصّدر لانتشار الجيش اللّبناني في الجنوب سنة 78 وما قبلها. ولكن سرعان ما تبدّدت فرحتنا بعد ساعات من صدور القرار بسبب ضغوطات من قوى داخلية وإقليمية حيث تراجعت الحكومة عن قرارها بنشر الجيش اللّبناني قبل جفاف الحبر الّذي كتب به.

وقد ذهبْتُ في اليوم التّالي للقاء أحد أعضاء الترويكا الحاكمة يومئذٍ والذي كان قد هلّل للقرار وقلت له: لقد ذهبت تضحياتنا وجهودنا في سبيل استرجاع الجنوب لقراره سدىً وأدراج الرّياح ولقد تبيّن لنا بعد كل تلك السنوات الطّوال أنّ القرار ليس بأيدينا خصوصاً وإننا كنّا نرفع شعار الإمام الصدر (الجنوب أمانة ) الّذي دفع الجنوبيّون بسببه الكثير من التّضحيات فأجابني بقوله (ألم تكن تدري بأنّ قرار الجنوب ليس بأيدينا)!.

وقد استمرّ منع الدّولة اللّبنانية من نشر جيشها في الجنوب إلى ما بعد حرب تموز 2006 وقد قبلت بعدها قوى الأمر الواقع انتشاره بشروطها مما جعل من حضوره مع قوات الطوارئ الدولية حضوراً شكلياً. وبعد هذا وغيره كيف يمكننا القبول بما قاله معالي الوزير (بأنّ القرار في لبنان هو ملك للّبنانيين وأنّ جنوب البلاد هو أرض لبنانية). فإنّ الكلام ليس عن الملكيّة العقاريّة للأرض وإنّما هو عن ملكيّة القرارات السياديّة على الأرض.

وعلى امتداد السنوات الماضية برزت عدة قضايا أظهرت عجز الدولة اللبنانية عن صنع سياستها الدّاخلية والخارجيّة وفقاً للقانون والدّستور، فهل كان تعطيل المجلس النّيابي لانتخابات رئيسٍ للجمهورية قراراً من الدّولة اللبنانية أم كان قراراً عليها؟ وهل كان ما جرى في السابع من أيار وما بعده من أحداث وآخرها إغلاق معمل الزهراني للكهرباء بقرارٍ من الدّولة اللبنانيّة أم كان قراراً عليها؟! وهل كان إسقاط الطّائرة التّابعة للجيش اللّبناني في الجنوب بقرارٍ من الدولة اللّبنانية؟!..وو..

ولا ندري إن كان قد تمكّن معالي الوزير – وهو الذي أصيب بالقرارات الخارجة عن الدّولة وعليها- أن يسترجع بعض المقرّات الحزبية !. أمّا نحن فلم نتمكّن أن نسترجع كتاباً واحداً من مكتبتنا ولم نتمكن من العودة إلى الجنوب منذ السابع من أيار2008 وحتى اليوم ! فأين هي القرارات التي تكون ملكاً للبنانيين ؟. وإذا كان القرار بيد الدّولة اللّبنانية فلماذا يطالب نوّاب بيروت بنزع السلاح منها؟! وقد جعلوا من حامل السّلاح حكماً فعادوا بخفّي حنين!.

نحن نعلم يا معالي الوزير أنّك تريد أن تعطي الصّورة الحسنة عن الدّولة ولكن نقول إنَّ إخفاء المرض لم يكن يوماً سبباً من أسباب الشفاء. ونحن وإن كنّا نرفض كلّ التّدخلات على أرضنا وفي شؤوننا الداخلية ونريد لبنان وطناً لجميع أبنائه وطوائفه رسالة في التّسامح والعيش المشترك ونتطلّع إلى قيام دولة المؤسّسات والقانون فيه الّتي تنطلق من المواطنيّة الجامعة لكلّ المكوّنات فيه بعيداً عن العصبيّات الطّائفية والمذهبيّة. نريدها دولة تبسط سلطتها الكاملة على كل أراضيها، نرجع إليها ونحتكم إلى مؤسّساتها، مالكة لأمرها قادرة على تنفيذ قراراتها بأجهزتها. سيدة على أرضها حاكمةً لشعبها.كلّ هذه المعاني السّيادية والوطنيّة يجب أن تكون للّبنانيين ولا نختلف في ذلك مع معالي الوزير ولكنَّ ما هو كائن مختلف حتماً مع ما يجب أن يكون.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل