في الذكرى العاشرة لإستشهاد ايلي حبيقة، وفي الذكرى الرابعة لحفريات اوتوستراد حالات بحثاً عن "مقابر جماعية" مزعومة، أبى "التيار العوني"، من خلال موقعه الإلكتروني، إلاّ ان يُعيد نكىء الجراح بين المسيحيين، وذلك من خلال استحضاره بعض المحطّات الماضية المتعلّقة بمسيرة الوزير السابق ايلي حبيقة السياسية والأمنية، وعرضها بطريقةٍ انتقائية تصّب في خدمة هدفٍ واحد ومركزي، كان في اساس نشأة التيار العوني، الا وهو تشويه صورة "القوات اللبنانية"، حتى ولو تطلّب ذلك نبش كل القبور، وإختلاق كل الأكاذيب، ونكىء كل الجراح، واستثمار كل الدماء…
امّا آخر ما طالعنا به موقع التيار العوني، فكان "مقالةً" لأحد مُدعّي مهنة الصحافة، الصحّافي(نسبةً لمحمد سعيد الصحّاف)، بعنوان "عشر سنوات على اغتيال ايلي حبيقة: عدالة ناقصة وتاريخ ظالم"، افتتحها بالتساؤل "عمّا إذا كان من الإنصاف والضمير المطالبة بالمحاكم الدولية لبعض الشهداء وتجاهل الآخرين؟"، متناسياً ان "التيار العوني" الذي ينتمي كاتب المقالة اليه، يُعارض مبدأ إنشاء المحكمة الدولية من اساسه، بصرف النظر عن "كميّة" أو "نوعيّة" الشهداء الذين تنظر هذه المحكمة بملفّاتهم.
مهما يكن من أمر، فإن تشجيع مبدأ قيام المحكمة الدولية وتسهيل عملها، عوض إعاقته، يؤدي عملياً الى إنصاف جميع الذين استشهدوا، بدءاً بكمال جنبلاط، وبشير الجميّل والمفتي حسن خالد، مروراً بايلي حبيقة وصولاً الى رفيق الحريري ووسام عيد وما بينهم، حتى ولو لم تكن ملفات كل هؤلاء حاضرة مباشرةً في التحقيقات الدولية.
ثم يتطرّق "الصحّافي" الى قضية استشهاد الرئيس بشير الجميّل منوّهاً بدور حبيقة في القاء القبض على المُتهّم بارتكاب الجريمة، اي حبيب الشرتوني، متجاهلاً ان المجرم الشرتوني ينتمي الى "الحزب السوري القومي" حليف "التيار العوني" سياسياً وانتخابياً وامنياً واستراتيجياً… فهل من تناقض اكثر من ذلك؟
وبعدها، يدّعي "الصحّافي" المذكور، ان فكّ الحصار عن دير القمر في كانون الأول 1983 كان ثمرة قرارٍ إتخذته القيادة السورية بمسعى من حبيقة، دون ان يُطلعنا على مصدر معلوماته القيّمة تلك، مع العلم ان الوزير حبيقة نفسه لم يأتِ على ذكر هذا "الإنجاز العظيم" خلال المقابلة التي أجرتها معه قناة "ان بي ان" ضمن برنامج أحزاب لبنان في العام 2001، وإنما اكتفى بالقول انه تلقّى وعوداً من القيادة السورية بعدم سقوط دير القمر، من دون ان يصل الأمر الى حدّ فّك الحصار، الذي جاء في جانب أساسي منه، نتيجة ضغوط دولية وإقليمية وإعلامية على سوريا، استوجبت قيام لواء اسرائيلي بالسيطرة على الطريق الممتد من دير القمر الى الناعمة، تمهيداً لإجلاء السكّان والمقاتلين الى بيروت، عبر مرفأ الجية.
في الحقيقة، إن المفاوضات التي أجراها حبيقة مع القيادة السورية حول دير القمر، لم تكن لتتم اصلاً لو سقطت دير القمر، ولولا الصمود البطولي الذي ابداه رجال "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع في دير القمر لمنع سقوطها، ولولا تمكنّ هؤلاء الرجال من تنفيذ خطّةٍ "سلحفاتية" دفاعية مُحكمةٍ، امّنت لدير القمر توازناً عسكرياً اساسياً، مهّد الطريق بدوره، لفتح خطوط الإتصالات والمفاوضات حولها… وبالإضافة الى الضغوط الدولية على سوريا، لا بد من التذكير بأن الدكتور جعجع ساهم على طريقته في تحريك المياه الراكدة، من خلال حضوره الشخصي الى بيروت بعد نجاحه باختراق الحصار وإعطائه دفعاً إضافياً لقضية دير القمر، بحيث اثمرت اتصالاته وحركته المكوكية، ضغوط سياسية وشعبية، صبّت كلها باتجاه حلّ قضية دير القمر في اقّل من 15 يوماً.
امّا بالنسبة لحوادث شرق صيدا التي تطرّق اليها "كاتب" المقالة باستخفافٍ عوني معهود، مدعياً ان "جعجع اتخذ قراراً بسحب "القوات اللبنانية" قبل التوصّل الى اتفاق على إرسال "الجيش اللبناني"، فلا بد من التذكير ان الإتصالات التي قامت بها قيادة "القوات" مع السلطات السياسية والعسكرية، لحضها على نشر الجيش اللبناني في شرق صيدا، افُتتحت اعتباراً من شباط 1985، اي قبل تولّي الدكتور جعجع رئاسة الأركان، والجواب على ذلك جاء رفضاً قاطعاً من قبل رئيس الحكومة المُعتكف آنذاك رشيد كرامي، وتلكؤاً من قبل قائد الجيش آنذاك العماد ميشال عون الذي عاد من سوريا بأجواءٍ سلبية، بعدما زارها في آذار 1985 لإستطلاع رأيها حول هذا الموضوع تحديداً.
إن السلطة السياسية اللبنانية آنذاك، التي كانت قد أعادت بناء قواها العسكرية الشرعية بزخمٍ محلّي وعربي وغربي كبير، وبتكلفةٍ مالية باهظة، إعتباراً من العام 1983، كانت المولجة رسمياً وقانونياً ومبدئياً بتأمين الحدّ الأدنى من الأمن لمواطنيها، ولاسيّما داخل المناطق التي حررّتها المقاومة اللبنانية بالعرق والدم والدموع، وهذا ما لم يحصل بكل أسف، فتحملّت "القوات اللبنانية" ومن خلفها شعبها المسيحي من جديد، المسؤولية عمّن كان يُفترض بهم تحملّها ولكنّهم، كما العادة، لم يفعلوا…
امّا إدعاء كاتب المقالة بأن حبيقة فرض نفسه رئيساً للهيئة التنفيذية في 9 ايار 1985، كردّ فعلٍ على تفرّد جعجع بالإنسحاب من شرق صيدا، فينطوي على جهلٍ مُطبق بالإطار التاريخي للحوادث عامةً، وبتاريخ "القوات اللبنانية" التي يتنطّح جاد ابو جوده في كلّ مرّة، لمحاولة تشويه مسيرتها النضالية. ذلك ان الإنقلاب الذي قام به حبيقة داخل الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية في 9 ايار 1985، كان نتيجة قرارٍ مسبق اتخّذه حبيقة بعد زيارته لسوريا في نيسان 1985 برفقة ميشال سماحه، بحيث جاء البيان الذي اصدرته الهيئة التنفيذية مع إعلان إنتخاب حبيقة في اليوم المذكور، ليقطع الشّك باليقين عبر دعوته لإطلاق حوارٍ مع النظام السوري. مع العلم بأن الإستاذ كريم بقرادوني اكّد هذه الواقعة، في الصفحة 111 من كتابه "لعنة وطن"، بقوله: "اكتشفت ان صياغة البيان هي صياغة سورية… وكأن هذا البيان اُعدّ في دمشق وليس في بيروت، وفاجأني المحتوى، إذ ان ايلي حبيقة يُطالب للمرّة الأولى بعلاقات مميّزة مع سوريا".
ويُكمل "الصحّافي" ابو جودة في مكان آخر قائلاً، بأن "حبيقة وجعجع اقسما على الإنجيل بألا يسيل الدم مهما بلغ الخلاف على الإتفاق الثلاثي"، ولقد تناسى ابو جوده، إضافةً الى هذه الواقعة، ان جعجع قال لحبيقة امام جمعٍ من الحاضرين في لقاء بكركي في كانون الأول 1985: "خُد منّي ما تُريده من تنازلاتٍ سياسية، ولكن لا توقّع على إتفاق يرهن لبنان لسوريا"، إلاّ ان ايلي حبيقة رفض هذا العرض، بحجّة انه اعطى التزاماً نهائياً للسوريين لا يمكنه التفريط به، وذلك بحسب شهادة حبيقة نفسه، التي عرضتها قناة "ان بي ان" ضمن وثائقي "احزاب لبنان" في العامين 2001-2002… وعليه، فإن عملية إخضاع المنطقة المسيحية كانت في صلب تفاهمات "الإتفاق الثلاثي" الجانبية، ودليلنا على ذلك ممارسة التصفيات الجسدية، وسياسة كمّ الأفواه، والتفجيرات التي طاولت سياسيين، وصحافيين، ووسائل إعلام، تمهيداً لفرض هذا الإتفاق، وذلك في تجاهلٍ تام لـ "قَسَم بكركي"، وهو ما جعل من عملية 15 كانون الثاني المؤلمة، والموضعية، ضرورةً مُلحّة، و"شرّ لا بُدّ منه"، لوقف نزيف الدم المسيحي، وإنقاذاً لما تبقّى حُرّاً من ارض لبنان، وكرامة المسيحيين.
إن ما اعتبرها "الصحّافي" المذكور "دولة 1988" في "مقالة" سابقةٍ له، ويتّهمها في "مقالته" الأخيرة، بممارسة التصفيات بحقّ مناصري حبيقة، تبقى في كافةً الأحوال افضل بألف مرّة، من دويلة "حزب الله" المُتطاحنة مع "حركة امل" في العام نفسه، موديةً بأكثر من 500 مواطنٍ في شهر ايار وحده.
كما يكفي، ان "دولة 1987-1988" انعمت على مواطنيها باستقرارٍ أمني وسياسي، وبازدهارٍ سياحي وإعلامي وإقتصادي، حُرم منه اللبنانيون الباقون، ونكاد ندّعي ان "الدولة" تلك، لم تشهد "ضربة كفٍ" واحدة، بالمعنى السياسي والأمني للكلمة، بحيث باتت قُبلة أنظار المناطق اللبنانية الباقية، وملجأً للهاربين من جحيم "تقاتل العصابات" في المناطق الخاضعة للإحتلال السوري، بحسب توصيف النائب جنبلاط لحروب المنطقة الغربية آنذاك.
ويكفي ايضاً، ان "دولة 1987-1988" نجحت اقلّه، في غمرة الفلتان الأمني، و"تقاتل العصابات" حينها، بتحويل الميليشيا الى جيشٍ نظامي إنضباطي، في وقتٍ كانت فيه بعض الألوية الشرعية تتحوّل عملياً الى ميليشيات غير مُنضبطة…
واقع الأمر ان "القوات اللبنانية" حاولت، مع "دولة 1988"، الإرتقاء بمنطق "الدويلة" الذي كان سائداً على مساحة لبنان حينها، الى وضعية ومستوى الدولة الرديفة، بالمعنى العملي والخدماتي والإنمائي والإستقراري للكلمة، وليس بمعناها القانوني او "السيادي"، في حين كانت الدويلات الأخرى تتصارع، وتتناتش، وتمعن في تفتيت مؤسسات الدولة، وهي بالمناسبة، سياسة، ما زال بعض حلفاء "الصحّافي" ابو جوده ينتهجونها حتى اليوم.
من هنا، يبدو مُضحكاً إنتقاد كاتب المقالة "لدولة 1988" في غمرة الفوضى، والتفكك، والدويلات القائمة حينها، في مقابل تأييده الراهن لـ "دويلة ولاية الفقيه"، في ظلّ قيام الدولة الفعلية، ووحدتها، ارضاً وشعباً ومؤسسات!!!
مهما يكن من أمر، فإن دولة"1988" تبقى في مُطلق الأحوال ايضاً، خيرٌ من "دويلة" "الفشل والموت والدمار والهريبة" التي تلتها في العامين 1989 و1990… بما ادّى الى مقتل الآلاف، وتهجير مئات الآلاف، وتقسيم المُقسّم، وتجزئة المُجزّأ، وتفكيك المؤسسات الشرعية والدستورية…
خلاصة الأمر، إن "الصحّافي" المذكور الذي امتهن "لملمّة" بعض الروايات والثرثرات المُجتزأة و"المعلوكة"، وصوغها في قالبٍ روائي، لعرضها كـ "مقالة صحافية" "يُغني" بها مواقع الكترونية مُفلسة ومُرتهنة لفرع الشائعات التابع للمخابرات السورية، فاته ان منظومةً أمنية وعسكريةً بأكملها، لم تفلح بتشويه حرفٍ واحد من مسيرة "القوات اللبنانية" النضالية، ولا بزحزحة حجرٍ واحد من بنيانها الإيماني العنفواني المتماسك، فكيف بالحري "شبيّحاً إعلامياً" قزماً كأمثاله، قد يصلح لأن يكون، ربما، "غُلاماً مُخلّداً" أمرداً في ديوان "ابو عبدو"، ولكن قطعاً ليس كصحافي، ولا هو اهلٌ لمزاملة عظماء المهنة كرياض طه، وجبران تويني، وسمير قصير، ومصطفى جحا، وسليم اللوزي وغيرهم الكثيرون…