
كتب أيمن شروف في صحيفة "المستقبل": الرأي العام اللبناني منشغل بالأحداث الأمنية المتنقلة. والحكومة منشغلة في ما لا علاقة له بكل ما يعني المجتمع اللبناني "ظرفياً"، فهي منكبة على تسطير كتاب تاريخ جديد، يحرص الوزير محمد فنيش على وضع بصمات "حزب الله" عليه. بالطبع ليس من أحد يعترض، فهو يقول بما يريده الآمر الناهي في مجلس الوزراء. وما يريد هذا الآمر هو إلغاء مرحلة كاملة من تاريخ لبنان، مرحلة الاستقلال الثاني منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري وحتى يومنا هذا.
اللجنة التي كلّفها مجلس الوزراء وضع اللمسات النهائية على كتاب التاريخ تمهيداً لإقراره، يرأسها ووزير الدولة نقولا فتوش. وفي اللجنة إضافة إلى فنيش وفتوش، كل من وزير التربية والتعليم العالي حسان دياب، ووزير الثقافة غابي ليون، ووزير الدولة علي قانصو، ووزير الصحة علي حسن خليل، ووزير العدل شكيب قرطباوي، ووزير الإعلام وليد الداعوق، ووزير السياحة فادي عبود ووزير الشباب والرياضة فيصل كرامي.
في اجتماع اللجنة الأخير في وزارة التربية وفي حضور وزيرها، ناقشت اللجنة التعديلات على مشروع كتاب التاريخ الموّحد لمرحلة التعليم الابتدائي والتكميلي والذي وُضع أيام الوزير حسن منيمنة وبإشراف لجنة من كل الأحزاب السياسية الرئيسية بما فيها "حزب الله"، وأخذ فنيش على عاتقه إدخال جملة من الاقتراحات، وكشفت مصادر مطلعة أن الأخير طلب أن يُضاف نص للسيد عبد الحسين شرف الدين بشأن الاستقلال في الدرس الحادي عشر في الحلقة الثانية لصف الخامس الأساسي بعنوان "الاستقلال والجلاء"، وفي الدرس السابع عشر "لبنان ما بين العامين 1946 و1958"، طلب أن تضاف إليه "مذبحة حولا"، وكلام بشأنها للسيد شرف الدين.
كذلك، في الصف السادس الأساسي في درس عن "الحضارة المصرية ـ الدين والفنون والأدب"، طلب أن يضاف في المحتوى دور النبي يوسف في التحول الحضاري في مصر. وفي السابع الأساسي في درس "الحضارة العربية: الانتشار، التنظيم السياسي"، أن يضاف في المحتوى تنظيم الدولة والإدارة، و"المطلوب إظهار البذور الأولى لتنظيم الدولة في عهد النبي محمد". أمّا اللجنة فما كان عليها سوى الموافقة والتوصية بأن يتم ذلك وفقاً للخط التاريخي على أن يبدأ الدرس من الخلفاء الراشدين.
وفي الدرس الثالث عشر لصف الثامن الأساسي "المدن الساحلية والأقضية الأربعة منذ نهاية الحكم المصري حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى"، اقترح فنيش أن يضاف حضور التواصل الاقتصادي والاجتماعي لمدن وقرى الداخل في الجنوب اللبناني ومنها النبطية وبنت جبيل بالذات مع كل من فلسطين وسوريا، مع إظهار دور النبطية أيضاً والثالوث العاملي: الشيخ أحمد رضا، والشيخ سليمان ضاهر، ومحمد جابر آل صفا، وكذلك تبيان الدور المشترك في هذا المجال لكل من بعلبك ـ الهرمل وجبل عامل.
وفي الدرس الأول للصف التاسع الأساسي "لبنان المرحلة الانتقالية وولادة دولة لبنان الكبير"، إضافة صورة العلامة عبد الحسين شرف الدين مع نص رسالة منه الى الشريف حسين في مكة. كما تضاف صورتان لكل من المجاهدين أدهم خنجر وصادق حمزة الفاعور، مع إبراز مواقف لبنانيين من جبل عامل والبقاع ووثيقة موحدة للعالمين المجتهدين الشيخ حسن مغنية والسيد شرف الدين مقابل توصيات لجنة "كينغ كراين".
إلغاء ثورة الأرز
وطالب فنيش بوضع إشارة الى انطلاقة المقاومة في عهد الرئيس أمين الجميل، لكنه اعترض بشدة في الدرس الثامن حول "اتفاق الطائف ومسيرة الاستقرار والعمران وعودة التوتر والوضع السياسي"، على تسمية "ثورة الأرز" وإدراجها في المحتوى.
هنا، تقول أوساط سياسية رفيعة شاركت في السابق في وضع أسس كتاب التاريخ أن "الوزير على ما يبدو يريد استكمال الانقلاب الذي نفّذه "حزب الله" عبر القمصان السود، من بوابة كتاب التاريخ الموّحد. وهو لا يريد أن تتم الإشارة أو الحديث عن أي شيء له علاقة بالمرحلة المشرقة التي مرّ بها لبنان منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري والتي تكلّلت بخروج الجيش السوري من لبنان، وتوحيد اللبنانيين تحت شعار الحرية والاستقلال، هذه الوحدة التي لطالما كانت منقوصة في تاريخ لبنان، والحزب لا يريد لها أن تكون".
وترى الأوساط أن "ما جرى في الاجتماع الأخير للجنة يُشكّل مهزلة واختصاراً لمراحل عديدة وإدخال شخصيات وإن كانت مؤثرة، إلا أنها من خلفية واحدة، علماً أن في لبنان في القرن الماضي كان لكل الطوائف دورها الأساسي في استقلال لبنان الأوّل وفي دعم القضية الفلسطينية، وإن كان لا بد من ذكرها، سيتحوّل كتاب التاريخ إلى معجم لا يمكن أن يُدرّس في المرحلة الأساسية".
وبالعودة إلى اقتراحات اللجنة، فقد أبى علي قانصو إلا أن تكون له بصمته فيها، فاعترض على عدم ذكر الشهيد خالد علوان كأوّل شهيد مقاوم للاحتلال الإسرائيلي عام 1982، في درس مقاومة لبنان لإسرائيل ومخططاتها".
لكن اللافت، أن قانصو وبصفته مشاركاً في وضع اللمسات النهائية على الكتاب الموّحد، لا يعلم أن الشهيد علوان لم يستشهد في 19 أيلول عام 1982 أثناء تنفيذه عملية "الويمبي"، بل استشهد في 5 أيلول من العام 1984 بعد مرور ما يقارب السنتين على العملية في كمين في منطقة ديرقوبل، قضاء عاليه. وهذا ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول وزراء يُعدلون كتاب التاريخ ولا علم لهم بالتاريخ، بل حتى بتاريخ من استشهد من حزبهم في مقاومة العدو الإسرائيلي.
وفي اقتراحات قانصو أيضاً، التقاء مع فنيش في المطالبة بحذف انقسام اللبنانيين في كتلتين: 8 و14 آذار، و"ثورة الأرز" واعتصام الوسط التجاري وأحداث 7 أيار عام 2008، فما كان من اللجنة بالاتفاق مع الوزير دياب إلا أن تُقرّ التوقف عند استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وحذف كل ما له علاقة بمرحلة الرئيس إميل لحود وعهد حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس نجيب ميقاتي لغاية نص اتفاق الدوحة. كما تم حذف الفقرة ابتداء من "المطالبة بتطبيق الطائف ولغاية "تشكيل حكومة وحدة وطنية".
وعلقت الأوساط نفسها بالقول: "الحكومة الحالية تريد إلغاء مرحلة الاستقلال الثاني، فهي عندما نفذت انقلابها قالت صراحة إنها تريد محو كل ما له علاقة بمعركة 14 آذار، وها هي تُنفّذ ما توعدت به، وتلغي تلك المرحلة مع ما فيها من شهداء سقطوا من أجل استقلال لبنان وتثبيت العدالة، لا بل أيضاً تُلغي مراحل حقيقية مؤلمة في تاريخ لبنان، أبرزها في 7 أيّار، حين تحوّلت العاصمة إلى خلية حزبية هدفها إلغاء كل من يختلف عنها، وهذا ما يعني التعتيم على سلوكيات هذا الفريق التي أضرّت بالوطن".
وتضيف الأوساط: "إذا كان 7 أيّار يوماً مجيداً في تاريخ لبنان وتاريخ المقاومة، لماذا يمحى من كتاب التاريخ؟ بأي حجة؟ وتحت أي ظرف أو سبب؟"، وتشير إلى أنّ "هناك محاولة لتزوير تاريخنا الحديث وهذا ما لا يجوز، بأي شكل من الأشكال".
وإذا كان ممثلا "القومي" و"حزب الله" قد وضعا أفكارهما "الحزبية الضيّقة" في صياغة كتاب كل اللبنانيين، فإن وزير "التيار العوني" غابي ليّون، أبى إلا أن تكون كل مقترحاته متمحورة حول فكرة واحدة، وهي عدم إعطاء العهد الشهابي أي مساحة، كبيرة كانت أم محدودة. طبعاً لأن جنرال الرابية لم يتفق يوماً مع "الشهابية"، بل كان يرفضها جملة وتفصيلاً.
إذاً، دخل لبنان مرحلة جديدة مختلفة عن كل ما سبقها، مرحلة يحاول من خلالها فريق 8 آذار. الانقلاب على تاريخ لبنان بعدما أمعن في الانقلاب على حاضره.