كيف تطورت رواية «حادثة العريضة» من تهريب اسلحة وتسلل مسلحين، الى افتضاح امر السوريين الذين قتلوا شابا وجرحوا شقيقه ثم وصلوا الى تخلية الثالث وتسليم زورق الصيد الذي كانوا يستقلونه للارتزاق، بعدما تبين ان القصة مفتعلة من بداياتها، وهي شبيهة الى حد بعيد بالاتهام الذي وجه اخيرا الى بلدة عرسال البقاعية عن تهريب اسلحة وتسلل مسلحين، وقبل ذلك ما اثير من لغط مماثل عن التهريب والمسلحين في عدد من قرى وبلدات عكار المتاخمة للحدود السورية!
وعلى رغم افتضاح الامر، فان السلطات السورية التي سبق لها ان سوقت خبر التهريب للتذرع بقتل الشاب الصياد في العريضة واطلاق النار على شقيقه واحتجاز الثالث مع زورق الصيد لم يجد الموضوع عند احد المسؤولين اللبنانيين الشجاعة الكافية بل اللازمة لتوجيه عتب الى الاشقاء في سوريا، فيما تبرع اكثر من طرف لبناني من «فريق العمالة» للقول بعد الذي حصل انه خطأ تكتيكي يعود الى ان الصيادين الثلاثة اجتازوا نقطة الحدود البحرية من غير ان يحسبوا حسابا لتحسب الاخوان لكل ما من شأنه ان يثير هواجسهم الامنية في هذا الظرف الدقيق والصعب!
ولان الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني – السوري نصري خوري لم يقصر ربما في القيام بواجب توضيح صورة الحادث وتأمين نقل الشقيق المصاب بالرصاص والثالث مع زورق الصيد البحري طبعا بعد افراج السوريين عن جثة «الشاب المهرب» من دون ان يفصح عن وجهة نظره كسفير فوق العادة، اقله ليبرر فعلة القتل والاعتداء والاحتجاز، على رغم ما تردد عن ان الامين العام قد نقل اعتذارا سوريا الى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عدنان منصور. كل ذلك ظل بمنأى عن التوضيح على رغم ما قيل عن ان نصري خوري قد اقترح دفع تعويض لذوي الصياد الضحية، طبعا من خزينة الدولة اللبنانية التي اعتبرها مسؤولة عن «التسلل المريب» في مثل هذا الوقت السوري الحرج؟!
ولان الامين العام غير مؤهل لان يدلي بموقفه الشخصي، فان المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم لم يصدر عنهم ما يؤكد حصول «ارتكاب سوري خاطئ» بحق الصيادين اللبنانيين الثلاثة. كما لم يقل اي مسؤول لبناني اخر ان بوسع الحكومة «لفلفة» الجريمة تجنبا لاغضاب السوريين، وهذه الواقعة اصح من ان تكون صحيحة، بعد طول تجاهل لبناني رسمي لما قيل عن اتهام شخصيات سياسية ونواب من قوى 14 اذار بتهريب السلاح وتسهيل عبور المسلحين الى سوريا. وفي مقدم هؤلاء من هم على طرفي نقيض مع النظام السوري من شخصيات ونواب في تيار المستقبل!
هذا العيب السياسي والديبلوماسي والامني المضاعف من جانب الشقيقة سوريا، بات يحتاج الى «اخلاقية لبنانية وطنية تضع الامور في نصابها»، بمعزل عن الخوف من رد فعل سوري لم يعد يجدي نفعا، بعد طول ارتكاب فظائع وجرائم حرب بحق شعب سوريا الذي يتحرك سعيا وراء حريته وسيادته، ومن دون ان يتأثر بآلات القمع والتدمير التي يستخدمها الرئيس بشار الاسد تجنبا عما يزيد في عمر حكمه مهما زاد في عدد الضحايا!
وفي المقابل، لا بد من كلمة عتب على المسؤولين اللبنانيين وعلى السياسيين الحلفاء لسوريا ممن لم يروا في ارتكابات نظام الاسد على الحدود اللبنانية وبحق مواطنين لبنانيين ما يستدعي منهم قول ما عليهم اعتباره نقيصة، ان لم نقل خطأ في التصرف، فيما المطلوب من النظام السوري توظيف قدراته وطاقاته لعدم اغضاب اي طرف لبناني، كونه بحاجة ماسة الى من يسانده ويدعمه، اقله بالصمت على الارتكابات التي يمارسها ضد شعبه؟!
وفي المقابل الاخر، تبدو الصورة السياسية والامنية السورية مختلفة تماما بين الحال مع لبنان وبين الحال مع الاردن والعراق حيث نأى الرئيس الاسد بجيشه وبقوى السلطة عن اي احتكاك مع الجيشين الاردني والعراقي، لمعرفته ان ليس بوسعه التعاطي مع هؤلاء بالفوقية التي يمارسها مع الدولة اللبنانية.
ويقال ان اطلاق النار من جانبي الاردن والعراق على الجيش السوري وقوى النظام لم يجد من يرد عليه، فان ذلك يعني تماما ان تصرف نظام الرئيس بشار الاسد في جانبه اللبناني دليل عقم سلطتنا ومسؤولينا وعدم توافر الرغبة في احترام الذات؟!