بعدما صار الكلام على الفساد فاسداً
هل يتدخّل سليمان لإعادة ضبط الأصول؟
هل بات على الرئيس ميشال سليمان المؤتمن على الدستور والساهر على حسن تطبيقه، التدخل لاعادة الأمور الى نصابها وتصحيح "سير عملية الحكم ووضع حد لاطلاق الاتهامات جزافاً من دون الاحتكام الى القضاء، والا أصبح الكلام على الفساد بعينه كلاماً فاسداً، وتعطيل العمل سمة كل الحكومات في السنوات الأخيرة؟.
في الماضي كان للمعارضة دورها وللموالاة دورها، وكانت عجلة الحكم تسير بانتظام طبقاً للدستور والقوانين، ضمن ضوابط داخل المؤسسات وخارجها. اما اليوم، فلا ضوابط ولا أصول ولا قواعد بل فلتان في كل شيء.
لقد شكا وزير الطاقة والمياه جبران باسيل في برنامج "كلام الناس" من معارضة تعرقل السير بمشاريعه ومن زملاء له في الحكومة يساهمون في هذه العرقلة والا لكان العمل في مشاريع الكهرباء وغيرها بدأ بما يوفر للبنانيين في سنة 2014 كهرباء من دون انقطاع.
والواقع ان ما يشكو منه الوزير باسيل أمر طبيعي وهو ان تعارض المعارضة وتعرقل المشاريع التي لا تؤيدها او تراها مشبوهة، لأن هذا دورها. ومن الطبيعي أيضاً أن يكون لزملاء له في الحكومة موقف غير موقفه ولكن عليه في هذه الحالة أمام ان يرضخ لما تقرره الأكثرية الوزارية او يستقيل احتجاجاً على موقفها، ويأخذ مكانه في المعارضة داخل مجلس النواب وحتى في الشارع إذا لزم الأمر فيلجأ الى الاضرابات والتظاهرات والاعتصامات. وهذا ما كان يفعله من قبل الوزراء عندما يتعذر عليهم امرار مشاريعهم في مجلس الوزراء، او في مجلس النواب، عملاً باللعبة الديموقراطية الصحيحة وتقيداً بالأصول. أما ان يبقى في الوزارة ولا يرضخ لما تقرره الأكثرية ولا يستقيل بل يصر على أن يكون موالياً ساعة يشاء ومعارضاً ساعة يشاء حتى الى حد التظاهر ضد الحكومة وضد نفسه، فهذا سلوك غريب لم تشهده الحكومات من قبل. وإذا كان وزير العمل شربل نحاس يتبع النهج نفسه ولا يرضخ لما تقرره أكثرية الوزراء ولا يستقيل بل يرفض توقيع المراسيم التي يخالفها، ولا تتوافر الأكثرية المطلوبة لإقالته اذا لم يستقل، فإن البلاد تكون قد دخلت حالة الفوضى والفلتان بحيث لا يضبطهما دستور ولا قانون خلافاً لما كانت عليه الحالة في الماضي عندما كان من يطلب منه المشاركة في الحكومة يوافق على برنامجها الوزاري او على خطها السياسي والا اعتذر عن عدم المشاركة. وكان الوزير الذي يطرح مشروعاً اصلاحياً على مجلس الوزراء ولا تأخذ به الأكثرية يستقيل او يرضخ لما تقرره الأكثرية. والحكومات في الماضي كانت تحرص على أن تكون متضامنة عندما تواجه مجلس النواب لئلا يفتح، عدم تضامنها، ثغرة تدخل منها المعارضة في هجومها على الحكومة، والوزير الذي لا يكون على اتفاق مع الحكومة على موضوع معين يغيب عن الجلسة لتبقى الحكومة متضامنة في الدفاع عن مشاريعها، ويكون رأيها واحداً في مجلس النواب وان لم يكن كذلك في مجلس الوزراء.
الواقع ان لبنان دخل مرحلة الوضع الشاذ منذ حكم الوصاية السورية وما بعدها وهو وضع لم يحترم النظام الديموقراطي ولا الدستور ولا القوانين، فعمت الفوضى وساد الفلتان وصار من حق أي وزير او نائب اعتماد سياسة التعطيل، فلا رئيس للجمهورية ينتخب اذا عنّ على بال مجموعة من النواب تعطيل جلسات الانتخاب بالتغيب عنها، لأن المرشح الذي تتوافر له حظوظ النجاح لا يعجبها. او ان تحالفاً مذهبياً له شروطه للمشاركة في الحكومة حتى اذا لم يؤخذ بها تعذر تشكيل الحكومة، لئلا تصبح غير ميثاقية. وصار يجوز لكل مذهب ان يسحب ممثليه من الحكومة اذا لم يحصل على ما يريد، في حين ليس في الدستور نص يعطي الحق لأي مذهب بتعطيل عمل الحكومة أو تعريضها للاستقالة او الحؤول دون تأليفها.
هذا هو الوضع الشاذ الذي تعيشه البلاد منذ ما بعد الوصاية السورية لأن تلك الوصاية كانت قادرة على ضبطه وحتى شرعنته… فهل يستطيع الرئيس سليمان اخراج لبنان من الوضع الشاذ مع صلاحياته المحدودة: وهل يتوصل الى سد الثغر وازالة الشوائب من دستور الطائف كي يصير في امكانه وامكان من يأتي بعده، ضبط الامور عندما تبلغ حد الفوضى والفلتان كما هي الحال اليوم لتصبح مواعيد الاستحقاقات الدستورية محترمة ولا يتجاوزها او يعطلها احد لا في الانتخابات الرئاسية ولا في انتخابات رئاسة المجلس ولا في الانتخابات النيابية ولا في تشكيل الحكومات ولا سيما بدوافع مذهبية أو طائفية، لأن لا سبيل الى جعل عجلة الدولة تسير بانتظام الا بالعودة الى الدستور والقانون.