#dfp #adsense

هجوم دائري… مأزوم !

حجم الخط

غالبا ما يطغى النزق الشخصي او الاستفزاز المفرط على المعارك الكلامية بين القوى السياسية اللبنانية فيضيع المعيار السياسي الجاد والبارد الذي يتيح للمراقب استدلال افق هذه المعارك وتأثيرها في رسم الخط البياني للتطورات. وعلى رغم الغبار الكثيف الذي اثارته العاصفة العونية الاخيرة، لا توحي المعطيات الوازنة والكبيرة للوضع الداخلي الراهن بتجاوز هذه العاصفة اطار عوامل ذاتية خاصة بمطلقها اكثر منها بأي تبديل على المشهد السياسي.

ذلك ان الهجوم الدائري الذي شنه العماد ميشال عون على الشركاء والحلفاء، أسوة بالخصوم، لم يعد من النوع المفاجئ والمباغت في ازمة الحسابات و"التموضعات" المتناقضة لقوى الاكثرية داخل الائتلاف الحكومي الهش الذي بالكاد يقوى على التكيف مع مرحلة العد العكسي لمصير النظام السوري.

وهو هجوم يغدو اكثر من "طبيعي" و"متوقع" متى قيس بفائض الخيبة بإزاء الحلفاء والشركاء اكثر منه حيال الخصوم. واذا كان يحلو لخصوم العماد عون ان يصوروا هجومه بمثابة ارتداد على نفسه، اي على طريقة "عون ضد عون"، انطلاقا من تراكم الازمات المتصلة بحقائب بعض وزرائه، فإن الاصح النظر الى بعد أعمق يتصل على الارجح بجدوى هذا النمط من الهجمات الدائرية وباستمرار قابليته للتوظيف الشعبي والسياسي في زمن متبدل تبدلاً جذرياً عن تسعينات القرن الماضي وحتى عن المعارك الانتخابية في 2005 و2009. فما كان يصح ويصيب ويثمر وينتج في تلك المراحل يبدو كأنه فقد صلاحية انسحابه على ما يماثله في مرحلة جارفة تنذر بإسقاط سياسات جذرية فكيف بالتموضعات والرهانات التي هي قيد الدرس واعادة النظر؟

ولعل العماد عون هنا يتسرع كثيراً، ليس في فتح معارك دائرية أتقن سابقا اعتمادها فناً سياسياً، بل في تقديم نفسه من حيث يدري او لا يدري في صورة المتخوف الاول الاشد توجسا من التحولات الضخمة المقبلة. حتى ان ثمة في هجومه الدائري الحاد على الحلفاء، والشركاء تحديداً، ما يشي بخيبة ضمنية غير مفصح عنها من اتباع سياسات ذهبت الى ذروة التبدل وتشارف الان خطر الاخفاقات. ومع ان هذا الخطر لا يحدق بالعونية وحدها، بل يهدد قوى كثيرة اخرى في معسكري الصراع الداخلي، فإن خصوصية الهجوم العوني رسمت دائرة واسعة حوله حصرا وجعلته يتطوع للظهور متفرداً ومتعجلاً في عين الاستحقاقات.

بذلك يغدو على صاحب المبادرة التصعيدية وحده ان يقيّم الحسابات الباردة حيال جدوى هذا النمط واستمراره ومدى صلاحية استعادته والموازنة بين الكلفة والثمن من جهة والمردود الواقعي من جهة اخرى. وبطبيعة الحال، لا تتيح مقاربة هذا الهجوم الدائري، من هذه الزاوية حصراً، التوقف عند "مشتقات" وهوامش اخرى، كالمس بالشهداء، فالهجوم باحتقاناته وظروفه علامة مأزومة مبكرة لمطلقه لا اكثر ولا اقل، اما ما زاد عنها فهو زائد!

المصدر:
النهار

خبر عاجل