لم تتوقّع قوى 14 آذار والقوى المستقلة المنخرطة في ثورة الأرز أن يكون المجلس الوطني السوري الذي يحظى بدعم الثورة السوريّة قد بلغ هذا المستوى من الجرأة في مقاربة العلاقة اللبنانية – السورية إلى درجة رسم صورة مستقبلية لهذه العلاقة ارتكزت إلى إعادة تأسيس جديد لإشكاليّة تاريخية ملتبسة.
لكن عدم توقّع هذا السقف المرتفع من الالتزام السوري سيادة لبنان وبناء أفضل العلاقة معه، لم يحجب واقعاً بدأ ينمو شيئا فشيئاً منذ اندلاع الثورة السورية في آذار الماضي، وهو دلّ على أنّ القوى اللبنانية التي كانت في صلب ولادة ربيع بيروت الذي لم يكتمل بدأت تنظر بأمل إلى ربيع سوريا، كحدث يشكّل بداية لتحرير لبنان من سجن خريفه الطويل.
وتكفي نظرة متأنّية لتبيان تطوّر الموقف اللبناني غير الرسمي من الثورة السورية للتأكّد من أنّ التفاعل الضمني مع هذه الثورة تصاعد شيئاً فشيئاً، من الخوف، فالخجل، فالتضامن الإنساني، فاستقبال اللاجئين، فالاعتصامات المتكرّرة، حتى وصل إلى حدّ الاتصال بالمجلس الوطني السوري وإعلان الدعم الكامل لربيع سوريا.
وتتحضّر قوى 14 آذار للردّ مجتمعة على الكتاب الذي وجّهه "المجلس الوطني السوري"، وهذا الردّ الذي بدأت بعض الأفكار فيه تتحوّل إلى نصوص، سيتوجّه إلى الشعب السوري، وسيحاول اللحاق بالأفكار المتقدّمة التي وردت في الكتاب السوري، وذلك على قاعدة ردّ التحيّة بأحسن منها، والملاقاة إلى منتصف الطريق في رحلة طيّ الصفحات الأليمة، ولزاماً على ذلك سيكون من المفيد التوجّه إلى الشعب السوري مباشرة بكلمات تكون مدخلا إلى مستقبل مختلف يرسم علاقة لبنان وسوريا في مرحلة ما بعد الأسد.
وإذا كان كتاب المجلس الوطني السوري قد شكّل أوضح الخطوات التصاعدية على هذا المسار، فإنّ الإنصاف يحتّم عدم تجاهل الدينامية اللبنانية التي تحرّكت مع الربيع العربي، والتي حاولت ملاقاة هذه الثورات وشبك خطوط اتّصال معها.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل تيار المستقبل الذي خرج من "الكوما" المريبة التي وضع نفسه فيها أثناء الثورتين التونسية والمصريّة، والذي كان رئيسه سعد الحريري أوّل المبادرين إلى دعم الثورة السورية، وهو دعم دفع الحريري ثمنه نفياً غير مُعلَن خارج لبنان.
كما أنّه لا يمكن تجاهل موقف "القوات اللبنانية" من ملعب فؤاد شهاب، والتي عبّرت بوضوح عن انتماء لا لبسَ فيه إلى زمن الربيع العربي، وهو انتماء يؤكّده الدكتور سمير جعجع في السرّ والعلن، وآخر العلن كان ردّه على كتاب المجلس الوطني السوري.
والتجاهل أيضا لا ينطبق على "حزب الكتائب"، الذي وعلى رغم بعض إشارات التردّد والحذر في مواقف رئيسه ونوّابه، فإنّه انخرط باكرا في عمليّة مَدّ الجسور مع المجتمع المدني في الكثير من الدول العربية، وما زيارة الرئيس أمين الجميّل للقاهرة وتركيا وتواصله مع الأزهر الشريف سوى مؤشّر على أنّه للكتائب ربيعها المتميّز الذي كانت آخر مشاهده الموجبة المؤتمر الذي جمع عشرات أحزاب الوسط الديموقراطي.
أمّا خارج 14 آذار وداخل إطار ثورة الأرز، فإنّ قوى مدنية كثيرة بدأت تتحرّك استعداداً لنجاح الربيع السوري، وقد سجّلت الفترة الماضية حراكاً مناطقيّا وسياسيّا لافتا يسعى إلى مواكبة التغيّر الحاصل في العالم العربي، ويستعدّ للتعامل مع مرحلة ما بعد الأسد في سوريا، وهذا الحراك يقوم به ناشطون خارج 14 آذار، وهو مؤلّف من حلقات عدّة تطمح لأن تشكّل إطاراً أوسع لا يعطى بالضرورة اسم المجلس الوطني اللبناني.