#adsense

السلام الأهلي «الأخير»

حجم الخط

بينَ عامَي 1969 و 1975 من القرن الماضي، عاش لبنان صراعاً سياسيّاً حادّاً وانقساماً عميقاً حولَ الخيارات الوطنيّة الكبرى، حتىّ بدا واضحاً بين 1973 و 1975 أنّه متّجه إلى حرب أهليّة حتميّة سرعانَ ما تفجّرت فعلاً. وأسبابُ تلك الحرب، داخليّاً وخارجيّاً، كانت عديدة، بيدَ أنّ عاملاً أساسيّاً من عواملها كان الغياب التام لـ"قوى السلام الأهليّ" عن المشهد العام، القوى التي تقف في وجه ضفّتي الحرب، القوى التي تملك نفوذاً مؤثّراً يستطيع أن يستنهض المجتمع ضدّ الحرب ومع السلام.

إنّ استحضار التاريخ – غير البعيد – بهذه العجالة بل بكلمات قليلة، ليست مناسبتُه أنّ ثمّة حرباً أهليّة قادمةً على لبنان "لا محالة"… إنّما مناسبتُه أنّ هناك لحظةً تاريخيّة، لحظة تحوّل تاريخيّ في المنطقة العربيّة ككُل، بل محطّة ترتسم معها صورةُ المنطقة بمجملها ولبنان من ضمنها. وعند محطّة أو منعطف أو تحوّل من هذا القبيل، يتوقّف على تعاطي "الاجتماع اللبنانيّ" مصير البلد سلماً أو حرباً، انتقالاً سلميّاً أو ممرّات عنفيّة.

في هذا الإطار، أي عندَ المنعطف الذي يجتازه لبنان والمنطقة، يبدو الوضع اللبناني مقلقاً.

صحيحٌ أنّ "حزب الله" يعي – في داخله – أنّه "متضرّر" من التحوّل الكبير الذي تجتازه المنطقة العربيّة. وصحيحٌ أنّ قوى 14 آذار في المقابل ترى أنّ ذلك التحوّل الكبير يصبّ في مصلحتها. لكنّ السؤال الذي يُفترض طرحُه هو الآتي: هل صحيح أنّ سلام البلد أو سلمه هما مسألة توازن قوى متغيّر أو أنّه مسألة حسن قراءة لأهمّية سلام لبنان ومسألةُ خيار لا بدّ أن يشقّ طريقه… وبأسرع ما يمكن؟

يجب أن يكون واضحاً إذاً أنّ المنعطف لا يُقارَب بحسابات سياسيّة "صغيرة" إذا جاز التعبير، بل ينبغي أن يقارَب بحساب واحد وحيد هو مصلحة لبنان، أي كيفيّة الانتقال بلبنان إلى مرحلة جديدة تتوافر فيها معطيات استعادته إلى ميثاقه ودستوره ودولته، إلى سياق طبيعيّ.

ثمّة خشيةٌ كبيرة من أن يتعامل "حزب الله" مع التحوّل – المنعطف بوصفه "خسارة خاصة" أو أن يواصلَ مقاربة الأمور بحسابات إيرانيّة، أي أن لا يقيم وزناً لاعتبار لبنانيّ، أو أن يفترضَ مخطئاً أنّ في وسعه الردّ على المعادلة الجديدة المرتسمة في المنطقة لتغييرها، متجاهلاً حقيقة أنّ المعادلة ليست محلّية بل عربيّة – إقليميّة – دوليّة. ثمّة خشيةٌ إذاً من أن ينزلق "حزب الله" إلى المغامرة. والمغامرة متعدّدة الأشكال وإن كانت تقع إجمالاً بين حدّين: حدّ الاعتقاد – الخاطئ – بإمكان تعويض المنطقة بلبنان، أو حدّ التمترس عند مواقفه… إلى أن يكتشف أنّ الحدّين وغيرهما من الحدود مجموعة من الاستحالات، لكن بعدَ أن يُدخل البلد في ممرّات عسيرة.

بطبيعة الحال إنّ لهذه الخشية أصلاً. والأصلُ الظاهر جدّاً والواضح تماماً أنّ "حزب الله" استخدمَ خلال الفترة المنصرمة، أي منذ شهور عدّة، أسلوب التهويل تارةً وأسلوب "التقيّة" تارةً أخرى. التهويلُ ليقول إنّ شيئاً لا يغيّره وإنّ التغيير الحاصل لا يرتّب عليه شيئاً. والتقيّة لإخفاء نظرته إلى المرحلة المقبلة. وذلك كلّه أدّى إلى انقطاع بينه وبين أكثر من نصف البلد، وإلى مخاوف والتباسات وإشكاليّات حتّى داخل بيئته. وهكذا لا يمكن أن يناقش أحدٌ اليوم "فكرةً" ما من عند الحزب.

في المقابل، فإنّ 14 آذار وعلى الرغم من الثقة بوعي مكوّناتها السياسيّة للتاريخ السابق، وحرصها على الانتقال السلميّ الديموقراطيّ إلى المرحلة الجديدة، لا تبدو جميعُها استراتيجيّة في تعاملها مع المرحلة، أو بكلام أدقّ مع أولويّات المرحلة وترتيبها. ذلك أنّ السؤال الذي يُطرح عليها هو الآتي: هل الأولويّة لبرنامج إنقاذ وطنيّ في المرحلة الراهنة – المقبلة أم هي لبرنامج حكم (سلطة) فقط؟ الأولويّة لاستعادة وطن أم لاستعادة حكم مخطوف… ولو كانت استعادة الحكم لخدمة الوطن؟

إنّ الواقع اللبناني الحالي مقلق جدّاً ليسَ لأنّ ثمّة حرباً أهليّة في الأفق، ولا لأنّ هكذا حرب احتمالٌ كبير. هو مقلق لأنّ أولويّة سلام لبنان، الأهلي خاصة (على أساس أنّ فرصة سلام لبنان "الأخير" متاحة) ليست متجذّرة في الاجتماع السياسيّ اللبنانيّ، ما يجعل الخوفَ مشروعاً من اضطرابات في البلد.

تبقى بقعة ضوء في هذا الخضمّ المقلق.

فعلى الرغم من انعدام الحوار وانسداد أفقه لا سيّما مع أداء حزب الله"، ثمّة اليوم في لبنان هامش مهمّ لمجتمع مدنيّ وقوى مدنيّة.

وفي مثل هذه الظروف، فإنّ الآمال معلّقة على ديناميّة مدنيّة من أجل سلام لبنان، ديناميّة لا تحدث الفرقَ مع 1975 فقط، لكنّها تملك قابليّة اختراق كلّ الطوائف والمناطق، تواجه من يخطر له الانزلاق إلى العنف وتضغط لتصويب المسار اللبناني.

والرهان الكبير على هذه الديناميّة لتُكمل عناوين ثورة الأرز ومضامينها: إستقلال وسيادة وحرّية… وسلام!.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل