كان الشيخ بيار الجميّل، الجدّ، يرفع شعاراً صائباً: «لا يكفي أن تقول للمسيحي لا تَخَفْ كي لا يخاف. المهمّ أن تكون عناصر اطمئنانه قائمة»!
على رغم أنّ "الربيع العربي" انطلق من الربيع اللبناني المبكر في آذار 2005، وعلى رغم أنّ المسيحيّين اللبنانيّين هم النواة التي بقيت صامدة في زمن التخويف، حتى نضج الربيع، فقد كان لافتاً حذر المسيحيّين إزاء ثورة كانوا هم في أساس انطلاقها.
أزمة الثقة بين المسيحيّين والربيع العربي كان مطلوباً بذل الجهود لعلاجها. وليس سرّاً أنّ المسيحيّين، حتى المنتمون منهم إلى "ثورة الأرز"، أصابتهم الظنون، ولو بنسب مختلفة، إزاء مستقبل "الربيع العربي". وشاركهم في ذلك المسلمون المؤمنون بالدولة المدنية. فهم يريدون الربيع عبوراً من تخلّف الأنظمة الشمولية إلى الحداثة والديموقراطية والمجتمع المدني. لكنّه بدا أحياناً وكأنّه عبور إلى السلفيّات، بل إلى تصارع السلفيات المذهبية. وسواء في السلفية أو التصارع السلفي، هناك خطر على العلمانيّين والأقلّيات الدينية، والمسيحيّون أبرزها. وهم لا يريدون أن ينتقلوا من كَبْتِ الديكتاتوريات إلى كَبْتِ السلفيّات. ومن عصر الأنظمة الشموليّة التي تأسّست في أواسط القرن الفائت إلى العصور الوسطى.
الأنظمة تغذّي الخوف
لكنّ الازدواجيّة المسيحيّة في مقاربة الربيع العربي ليست بريئة بالكامل. فالأنظمة عمدت إلى تغذية الشعور بالخوف من السلفيّات الآتية، وأمعنت في توظيفه لتخويف المسيحيين من التغيير. عدا عن أنّ الأنظمة "تُصادِر" عمليّاً جزءاً كبيراً من قياداتهم السياسية والروحيّة، بحكم النفوذ والمصالح.
لذلك، كان مطلوباً من ذوي الثورة في سوريا أن يتحمّلوا المسؤولية التاريخية ويعلنوا البرنامج – الوثيقة الموجّه إلى اللبنانيّين. وفي العمق، يمكن القول إنّ الرسالة التي وجّهها "المجلس الوطني السوري" تتجاوز في استهدافاتها الإطار الوطني اللبناني، لتحْمِل أجوبة مباشرة عن الأسئلة المسيحيّة في لبنان وسوريا على حدّ سواء.
فالوثيقة التي أَلزَمَ المجلس الوطني نفسه بها، وبما يتضمّنه برنامجها لإصلاح العلاقات بين لبنان وسوريا، من منطلق الندّ للندّ، والاعتراف بلبنان دولة كاملة السيادة، تشكّل حلماً تاريخيّاً مسيحيّاً. فلبنان، في حدوده الحاليّة، والذي كان المسيحيّون وراء ولادته، بقيَ في نظر حكّام دمشق على مدى نصف قرن مضى، جزءاً من سوريا اقتطعه منها الانتداب الفرنسي – البريطاني. وأساساً، كان المسيحيون قد خرجوا للتوّ من معارك دامية تحت السلطة العثمانية مع الولاة في الشام، الوالي تلوَ الآخر. وكان إخضاع الجبل عنواناً دائماً لوالي الشام.
التعدّدية والدولة المدنية
لذلك، كانت وثيقة المجلس الوطني الأولى من نوعها في تاريخ لبنان وسوريا. ولكنّها أيضاً تاريخيّة في وضعها أسُساً للنظرة إلى المجتمع في كلّ من لبنان وسوريا، من خلال زاويتين:
1 – التعهّد بالعمل "لترسيخ التعدّدية والتسامح"، والاعتراف بأنّ لبنان وسوريا يتشاركان في "التعدّدية الدينية والعرقيّة"، وهي "ميزة فريدة يتعهّدان الدفاع عنها كمصدر غنى ثقافيّ وإنساني".
2 – التزام "الكفاح بعد انتصار الثورة، للانتقال إلى عصر الدولة المدنيّة"، عصر "التقدّم والحداثة".
هذان الالتزامان يقدّمان أجوبة كان يحتاج العلمانيّون والمسيحيّون في لبنان، وفي سوريا، إلى سماعها. وحتى اليوم، لم يصدر عن القوى المسيحيّة السياسية والروحية المعنية، خارج صفّ 14 آذار، أيّ تعليق على مضامين هذه الوثيقة.
على محك التنفيذ
لكن الواضح أنّ الوثيقة تبقى على محكّ التنفيذ. وهذا يتطلّب عنصرين أساسيّين: أن تنتصر الثورة، وأن يلتزم الأفرقاء السياسيّون أو الدينيّون الذين سيصلون إلى السلطة التعهّد الجماعي الذي عبّروا عنه ضمن المجلس الوطني، فلا ينقلبون عليه، وفقاً للمقولة الشائعة عربيّاً "الثورة تأكل شعاراتها".
ويقول بعض المفكّرين العلمانيّين إنّ المطلوب في سوريا عدم تكرار النموذج التونسي والليبي والمصري في هذا المجال. ففي الدول الثلاث، انتصر الإسلاميّون، وهذا طبيعي إذا كانوا يشكّلون الأكثرية. لكنّ "الإخوان المسلمين" يتنصّلون في مصر تدريجاً من تعهّدهم خلال الثورة بقبول دولة ديموقراطية مدنيّة. وفي تونس، لا يبدي "حزب النهضة" أيّ اعتراض على الاتّجاه المتزايد نحو فرض الشريعة الإسلاميّة في المجتمع. وكذلك يتّجه المجلس الانتقالي الليبي إلى الأخذ بالشريعة، بدءاً من الوعد الذي أطلقه بإعادة الاعتبار إلى نظام تعدّد الزوجات، الذي كان يحظّره العقيد معمّر القذافي.
وأمّا في سوريا، فالخطاب "الإخواني" في السنوات الأخيرة يقول في وضوح، ومنذ إقرار الوثيقة في العام 2005، بـ"أسلمة القوانين تدريجاً"، على أساس "الهويّة العربية الإسلاميّة للمجتمع السوري". ولم يقُم "الإخوان" حتى اليوم بتعديل هذه الوثيقة. وهنا مكمن التساؤل في العديد من الأوساط العلمانيّة والمسيحيّة: هل إنّ "الوعد" بالدولة المدنية متجذّر في اقتناعات القوى الإسلاميّة والسلفية في سوريا، أم أنّه كما في النماذج العربية الأخرى نوع من البراغماتية الرامية إلى تحسين الصورة في الداخل والمجتمع الدولي، إلى حين الانتصار!
من الظلم الذهاب إلى اتّهام شرائح من الثورة السوريّة بالمخادعة. ولكن من الحكمة فتح حوار معها حول المستقبل. وفي الانتظار، سيكون مفيداً للثورة ولبنان وسوريا والمكوّنات الدينية والعرقية فيهما، تشجيع منطق الحداثة والدولة المدنية واحترام التعدّد. وهذا الدور يضطلع به فريق 14 آذار، من خلال التواصل مع المجلس الوطني السوري، وأبرز محطّاته كانت في اللقاء الباريسي الذي عقده الدكتور فارس سعَيد وسمير فرنجية مع رئيس المجلس الوطني برهان غليون، قبل أكثر من شهر.
ولكن، يجدر بالمرجعيّات المسيحيّة، ولا سيّما الروحية منها في لبنان وسوريا، أن تفتح حواراً هادئاً وعقلانيّاً مع المعنيّين كافّة حول الوثيقة السوريّة. هذا ما تقتضيه "وداعة الحملان وحكمة الأفاعي"!