#dfp #adsense

مونولوغ الفساد

حجم الخط

لم يغب الفساد يوما عن السياسة. لم تتغير هذه الحال، منذ ما قبل الاستقلال، وان تغيرت فإلى المزيد. وما تغير فعلا هو ان القحة لدى أهله بلغت فجور القحباء حين تحاضر في العفة. وما تغير ايضا، ان الكل "تمسَح" وتبلّدت مشاعره وانفعالاته، وزادت الصعوبات المعيشية، فسهلٌ على السياسيين تقديم أكاذيبهم كوقائع.

وإلا، ما معنى ان يتهم هذا ذاك بالسرقة ولا يطرق باب القضاء بإثباتاته؟ والنتيجة أن اللبنانيين اعتادوا هذا "الزجل" ولم يعد يستفز فيهم أي شعور بالاشمئزاز أو السخط.

لقد بات الأمر من اليوميات اللبنانية، كما قطع الكهرباء، وأخاديد الشوارع، وإذلال القوانين والأنظمة، وسلطة سلاح ميليشيا "حزب الله". ولأن الأمر كذلك، يسهل على العاهر ادعاء العفة، وعلى المختلس زعم الترفع، وعلى المبتز التغني بالحرص وبسمو الأخلاق، وعلى الناهب تمجيد شق الطرق، وإقامة السدود، وجرّ المياه وتعميم الكهرباء، كما يسهل على مغتصب السلطة زعم الشرعية، وعلى الفاجر المفاخرة بالتقوى، وعلى خارق الدستور ادعاء حمايته. ولأن الأمر كذلك، يُتاح للجنرال القوّال ان يستعيد مونولوغه عن الفساد حين يرتئي كمن يستعيد ترنيمة غفا عليها، ثم عاد إليها بعد غيبوبة.

حاله كحال العامل على بضاعة كاسدة في سوق الدلالة. "ينام" عليها، ثم يستيقظ فجأة، ليعيد تسويقها. يعتقد أنه لا بد من زبون أعمى يشتريها. الأمر هذه المرة مختلف. فبعد 7 سنوات من أهزوجة الفساد، والتهديد بفضح الفاسدين، أزكمت رائحة المازوت أنوف اللبنانيين، وفتحت عتمة الكهرباء عيونهم أكثر على مزاعم الإنجازات، وفضيحة رفع الحد الأدنى للأجور، وعرّى التهجم على رئيس الجمهورية ادعاء الحرص على تعزيز الرئاسة. السلطة تفضح، لذا السعي إلى دور مزدوج. الحاكم يعارض نفسه.

سبب آخر لاستعادة الترنيمة. حليف التفاهم في ورطة المراوحة: الحكومة تصرّف الأعمال، وإنجازها الوحيد تمويل المحكمة الدولية، وأزمة اللبننة تتفاعل داخل صفوفه، كما أزمة الشللية المتغلغلة فيه، والوضع في الجوار والمحيط لا يوفر فرصة مضمونة النتائج لاستخدام العضلات.

في الزواج الديني، ينادى في بعض الكنائس، لثلاثة آحاد، بأن زيجة بين اثنين من أبناء الرعية ستعقد، ومن لديه اعتراض فليظهره. الأمر نفسه، بصورة موازية، ينفذ في الزواج الإسلامي. وفي الزواج العلماني في الولايات المتحدة الأميركية، يواجه العمدة حضور الحفل بالقول: على من لديه اعتراض أن يتقدم الآن، وإلا فليخرس إلى الأبد.

عوّدنا الجنرال منذ استولى على قصر بعبدا أن يزعم التعفف وينكره على الآخرين، لكنه لم يقدّم غير الكلام إثباتا، فلم يظهر تعففه، ولا أثبت تورط الآخرين.
آن له أن يختار.

المصدر:
النهار

خبر عاجل