#adsense

“الشبيبة البشارية”: الخلطة العجيبة بين الممانعة و”الأقليات”

حجم الخط

في سوريا، كما في سواها، وعلى امتداد التاريخ، سيفلت الكثير من المجرمين من القصاص، ولن يكون اجتثاث عاماً من الكابوس البعثي ( – ) بالأمر السهل. إلا أن الحد الأدنى من التفاؤل التاريخي يمكن أن يتسع لأمرين: استمرار الرئيس بشار الأسد على رأس الدولة السورية مستحيل لأكثر من فترة محدودة، أياً يكن سيناريو الساعات الأخيرة له في "مكتبه الرئاسي". أما الأمر الثاني فهو أن حشداً من "الأيديولوجيات" المستنفرة للذود عن العائلة الأسدية وجورها لن تقوم له قيامة حقيقية بعد سقوط بشار الأسد، وبهذا المعنى يمكن الاندفاع للقول، ليس من دون مجازفة، بأن الأسئلة الجديدة التي سيطرحها الزلزال الربيعي على المجموع العربي والأوسطي ستجد مكاناًً دافئاً لها تحت الشمس حالَ زوال حكم العائلة الأسدية.

فالسؤال الأساسي الذي سيطرحه هذا الزلزال لا يتعلق بالموازنة بين مشروع الإسلاميين وبين مشاريع سواهم، ولا ما إذا كان الإسلاميون يملكون في الأصل مشروعاً تاريخياً. فبشكل إجمالي لا يمكن إقامة فصل مطلق أو حاد بين ما هو مسلم بالمعنى الديني – الحضاري وبين ما هو إسلامي بالمعنى الأيديولوجي – الحركي، والعلاقة بين المستويين يمكن أن تتخذ لنفسها ألف وجه.

كما أن السؤال الأساسي يتجاوز الطابع الإجرائي لمسارات التحول الى الديموقراطية التمثيلية، وأي البلدان ستوفق أكثر من غيرها في هذا السباق، وأيها ستتعثر. ففي هذا الإطار، من يصدًّق أن إحياء أي نظام استبدادي، في البلدان المشمولة بزلزال الربيع ما زال ممكناً، واهم.

أين يكمن السؤال الربيعي الأساسي إذاً؟
لا يمكن استباق طرحه منذ الآن. لكن بالمستطاع الزعم بأنه يبدأ من الاستفهام عن حال الأيديولوجيتين المتحدتين اليوم لنصرة السفاح في سوريا: الممانعة مقترنة بتحالف الأقليات.

إنه لأمر طريف، ومخجل، في الوقت نفسه، كيف ذاب "حلف الأقليات" في "منظومة الممانعة"، وبالعكس. فإذا كان لبنان نال حصّته المحليّة في هذا الإطار، متجرّعاًً مضاعفات "تفاهم مار مخايل" بين "حزب الله" وتيار العماد عون، وإذا كانت المنطقة ككل نالت حصصها، بالجملة أو بالمفرّق، من خلال التحالف العضوي بين الشعلتين، بشار الأسد ومحمود أحمدي نجاد، وخصوصاً التطبيقات الميدانية لهذا التحالف في العراق ولبنان وغزة، فإن السؤال عن الكيفية التي يقودنا فيها حلف الأقليات الى حلف الممانعة، وحلف الممانعة الى حلف الأقليات، هو أول الأسئلة الصعبة، والضرورية، والحرجة. كما أنه شرط الخوض، لاحقاً، في موضوعات الديموقراطية والتنوع الثقافي والسلامين الأهلي والإقليمي، بما يغني عن المعاد المكرر في مقال الإسلاميين والليبراليين واليساريين.

عند البعض من "الشبيبة الهتلرية البشارية"، أو عصابة "دنيا وأخواتها"، كان الشعور الأقلوي المستثار بشكل عدميّ، هو المدخل الذي زجّ بهم في دهليز الممانعة. من استبدّ به الشعور الأقلوي خوفاً من عروبة جمال عبدالناصر، انتهى به المقام مستشرساً مطيعاًً لعروبة بشار الأسد. من استعاد المنازع النازية والفاشية، حرباً على فلسطين ياسر عرفات وولعاً بمناحيم بيغن صار يزايد عليك طلباً في التعجيل بتحرير "الجليل"، وصولاً الى مشارف بيت المقدس، لكن تحت رايات ولاية الفقيه، وعلامات الظهور.

وفي المقابل، من افتتح مسيرته بمداراة أقلويّته، بأحلام الوحدة والحرية والاشتراكية، عادَ وأقنع نفسه في مرحلة ثانية بأنه يمكن أن يستفيد منها ومن غيرها لتقعيد سلطته، بعصبية حامية قوية. لكنه لم يلبث بعدَ ذلك أن ارتكس وبشكل غرائزي وعشوائي الى شعوره الأقلوي الأول. من لم يسمح حتى لقرى معدودة من سوريا بالتكلم بلغة السيد المسيح، ومن حرم مئات الآلاف من الأكراد الجنسية زائد اللغة والحقوق الثقافية، ومن أقنع العلويين بأنهم برمّتهم في الحكم، لا عائلة واحدة أو عائلتين، فارضاً عليهم في المقابل الامتناع عن ممارسة شعائرهم الخاصة، تشبهاً بالأكثرية السنية، ثم تشبهاًً بالحليف الإيراني في وقت لاحق، ومن استنزف الاستثناء الماروني اللبناني لعقود طويلة، وبذريعة "حب من جانب واحد"، تراه اليوم، يطرح نفسه حصان الرهان، الجامع الحامي لسائر الأقليات، وتراه يطمئن نفسه أنه في أسوأ الحالات، يمكنه أن يقيم كياناً انفصالياً في شمال غرب سوريا، في حدود ما كان قائماً من هذا النوع في أيام الاستعمار الفرنسي.

هكذا يجذب النقيض الشكلي نقيضه: حلف الأقليات يختلط بحلف الممانعة.
وهذا يبقى على خطورته، تفريع للمشكلة الأساس. لأنه يبدو أن قدرنا، في هذه المنطقة من العالم، أن نقضي الجيل تلو الجيل، إما احتجاجاً على استبداد أكثرية بأقلية، وإما احتجاجاً على استبداد أقلية بالأكثرية، و/أو بالأقليات الأخرى.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل