#dfp #adsense

“الجمهورية”: من الخليج كلام آخر

حجم الخط

كتب جورج علم في صحيفة "الجمهورية": يبدو المشهد من المنظار الخليجي مختلفاً، هناك دور دوليّ ما للحيلولة دون انزلاق الوضع إلى حرب أهليّة تنطلق شراراتها من سوريا في كلّ اتّجاه وتهدّد مصالح الدول الكبرى في المنطقة، وربّما أمنها الاستراتيجي أيضا.

والمتداول هنا في الكواليس الكويتية أنّ المسألة ليست «أبيض أو أسود»، ولا يزال هناك مكان للرمادي، بمعنى أنّ الحلّ لا يمكن أن يكون على قاعدة «غالب ومغلوب» في مجتمع شديد الحساسيّة كالمجتمع السوري، حيث البعث القومي والعربي والطائفي والمذهبي والمناطقي. وما يطرح الآن في بعض وسائل الإعلام هو شيء من هذا القبيل، ذلك أنّ النظام ليس مختصراً بشخص، أو بمجموعة، بل بشريحة واسعة من المسؤولين والمواطنين، إلى حدّ أنّ المستجدّات تخطّت كلّ التوقّعات، وبات مطلب «إسقاط النظام» مرادفاً لقناعة تقول بإسقاط شريحة أو طائفة أو عيّنة من النسيج الوطني الاجتماعي السوري، وإلغائها من أيّ معادلة سياسيّة لمستقبل سوريا، ووحدتها وأمنها واستقرارها.

وفي المقاربة هذه، كلام صريح حول نجاح الانتفاضة في إسقاط خمسة:

• مهابة النظام التي سقطت على مستوى الدول الشقيقة أو الصديقة، أو حتى الرأي العام الدولي، ولم يعد ذاك الذي يفرض الوقار والخشية والاحترام عند الحديث عنه، أو في سياق التعامل والتعاون معه.

• هيبة النظام في الداخل، وهذا ما يعبَّر عنه بمفردات كثيرة كسقوط حاجز الخوف، وانهيار سطوة السلطة، وانبلاج فجر المقاومة المسلّحة…

• سقوط الاستقرار، وإعادة النظر بالمعادلة السابقة: النظام يساوي الاستقرار، واستبدالها بمعادلة العدالة تضع الاستقرار، شرط أن تكون مستوفية الشروط، وتشمل جميع مرافق الحياة السياسية والأمنية والاقتصادية، والاجتماعية.

• سقوط الأحادية المطلقة: الشخص الواحد، والحزب الواحد، والعقيدة الواحدة، والنهج الواحد. إنّ الأحادية ما كانت يوماً بمصاف العفّة والشفافيّة في مجتمع منغلق، فكيف إذا كانت طاغية في مجتمع تنوّعي تعدّدي؟…

• سقوط التنوّع، وهذا لا يزال في معرض الاحتمال، وهناك خشية كبيرة من الوصول إلى هذه النتيجة إذا كان المبدأ المُتّبع، والنهج الفارض نفسَه هو الحسم، الحسم مع مَن؟ وضدّ مَن؟ ثمّ ألّا يكون الحسم على حساب فئة، أو شريحة، أو جماعة؟ وإذا حصل ذلك فكيف ستكون النتيجة؟ وما هو المستقبل والمصير؟ وهل ستبقى سوريا الكيان الموحّد القوي بجيشه وشعبه ومؤسّساته، أم سوريا الطائفيّة والمذهبية والأقاليم والكونتونات المفكّكة تتناهشها «ذئاب» الطائفيّة والمذهبية من الداخل، و«ذئاب» النفعيّة والاستغلاليّة من الخارج؟

إنّ أخطاراً مُحدقة بهذا الحجم لم تعُد شأناً سوريّاً بحتاً، بقدر ما أصبحت شأناً عربيّا – إقليميّا – دوليّا مردوده انقلاب مخيف بالتوازنات التي قامت عليها المنطقة لعقود طويلة متعاقبة، واستحداث أخرى لا مكان فيها يليق بالعالم العربي، وجامعة الدول العربية، والدور العربي، إنْ على المستوى الإقليمي أو الدولي. إنّ البحث الجدّي الدائر حاليّاً وراء كواليس خليجية وإقليمية ودولية لم يعد مقتصراً على النظام، فالنظام سقط جزؤه، أو نصفه، عندما سقطت هيبته ومهابته وانقسم جيشه، إنّ البحث يدور حول مرحلة ما بعد النظام، وكيفية العمل والتصرّف للحفاظ على البقيّة الباقية من دولة ومؤسّسات، ومن مقوّمات وطنية، ومن سوريا الدولة الواحدة الموحّدة القويّة، القادرة أن تحتلّ موقعها المحوري في الشرق الأوسط، وأن تحميه وتدافع عنه من أولئك الذين يراهنون على انقسام منافعها ومتابعها وأشلائها الأمنيّة والسياسية والاقتصادية.

وتبدو المرحلة بالغة الحساسيّة والدقّة نظراً للأفكار الكثيرة المتداولة، وللمخارج القليلة غير الواضحة ظروفها بعد، وهي تتمحور لغاية الآن حول الآتي:

أوّلاً – إنّ سقوط الرئيس لا يعني سقوط النظام، وهذا الاحتمال يصبح وارداً إذا تمزّق الجيش والأجهزة الأمنية والمخابراتية، عندها يصبح البديل الفوضى، الفوضى في كلّ شيء، وعلى مختلف المستويات، وتَمزُّق ينال من البنى الأمنيّة والسياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية المناطقية. ولتلافي هذه الفوضى، والحدّ منها قدر المستطاع فإنّ إرسال قوّات عربية – مطعّمة، أو قوّات متعدّدة الجنسيّات لا يزال على الطاولة كمقترح لم يتجاوزه البحث والدرس بعد، ولا يزال قيد التنسيق والتداول والغربلة عربيّاً، إقليميّا، ودوليّا.

ثانيا – إنّ الحديث عن «مخرج يمني» للوضع السوريّ ليس بريئا، لكنّه مطروح ومتداوَل وأغرب ما في هذا الطرح أنّ المخرج بحاجة إلى إخراج، والإخراج الذي اعتمد في اليمن كان أشبه ببركان متفجّر قذف كلّ انواع الحمم الملتهبة العشائرية منها والفئوية والطائفية والمذهبية والمناطقية والتقسيمية – التفتيتية، ويُخشى إذا ما بلغ الوضع السوري الداخلي هذا المبلغ من التمزّق، فإنّ الحديث يدور عن مفاجأة ما من الداخل، تكون صادمة، وتعيد خلط كلّ الأوراق، وتفتح مساراً جديداً لما هو مُتَّبع الآن.

ثالثا – إنّ المساعي الإقليمية – الدولية مع روسيا لا تزال ناشطة للوصول إلى «تفاهم الحدّ الأدنى على تسوية لا تعوّم النظام ولا تخذل المعارضة» ويكون هدفها حقن الدماء، والحفاظ على البقيّة الباقية من ضوابط تقي سوريا من انحدار أقوى نحو حرب أهليّة… لأنّها إذا ما احتدمت يصبح كلّ هذا الكلام برسم الماضي؟!..

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل