كتب طارق ترشيشي في صحيفة "الجمهورية": تعكس التطورات العسكرية المستجدة على جبهة الأزمة السورية منذ أيام على وقع ما يدور من اتصالات ديبلوماسية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، ان الوضع الميداني يشهد سباقاً بين الحسم العسكري والمساعي الديبلوماسية لإيجاد حل سياسي.
ويقول سياسيون مطلعون على الوضع السوري ان تصاعد المواجهات بين قوات حفظ النظام والمجموعات المسلحة المعارضة في مختلف المناطق السورية، يؤكد ان النظام قد اتخذ قراراً بالحسم ضد هذه المجموعات التي قررت هي الأُخرى، على ما يبدو التصعيد وتوسيع رقعة المواجهة ميدانيا اعتقاداً منها ان النتيجة ستكون "لمصلحتها" حتى ولو انتهت المواجهة لمصلحة النظام لأنها تراهن على ان القوى الاقليمية والدولية الداعمة للمعارضة والراغبة بسقوط النظام "لن تسكت" وستتخذ مما ستخلّفه العمليات العسكرية من قتل وتدمير ذريعة لتصعيد حملتها على هذا النظام لعلها تتمكن من استصدار قرار دولي للتدخل العسكري المباشر لإسقاطه.
ويؤكد هؤلاء السياسيون ان المواجهة الكبيرة التي حصلت في ريف دمشق، اكدت توجه النظام الى حسم المعركة لمصلحته، وذلك استباقاً لأي قرار أو موقف يمكن مجلس الامن الدولي أن يتخذه في شأن سوري، وذلك في ضوء المشاورات والمفاوضات الجارية حاليا في أروقة الامم المتحدة، وتحديدا بين روسيا من جهة والولايات المتحدة الاميركية والدول الاوروبية وجامعة الدول العربية من جهة ثانية.
غير أن سياسياً آخر يعتقد أن الحل الأمني اذا انتهى الى انتصار في الميدان، فإنه قد لا ينتهي الى انتصار ملموس على المستوى السياسي سواء بالنسبة الى النظام أو لخصومه. ويقول ان كل ما يجري لن تكون له أي قيمة ملموسة، لأن الاساس سيكون ما سينتهي اليه التفاوض الاميركي ـ الروسي الجاري حول الوضع السوري، وأن ما ستتفق عليه واشنطن وموسكو هو ما سينفذ، ومعه ستنجلي الصورة التي سيرسو عليها مستقبل الأزمة السورية.
واذ يؤكد هذا السياسي ان هناك قراراً دوليا ـ اقليميا واضحا يهدف الى اسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، فإنه يعترف في الوقت نفسه بأن هذا القرار يواجه صعوبات كبيرة تمنع تنفيذه حتى الآن. فثغرة هذا القرار بشقه الدولي هي الموقف الروسي المعارض له، وثغرته في شقه الاقليمي هي إيران حليفة النظام السوري التي تعارض سقوطه وتمده بكل اسباب الدعم، ولذلك يجب انتظار ما ستنتهي اليه المفاوضات الجارية بين واشنطن وموسكو.
وفي السياق نفسه يقول بعض السياسيين ان هناك مفاوضات اميركية ـ إيرانية تجري بعيداً عن الأضواء في موازاة تلك المفاوضات الأميركية ـ الروسية، ويكشف ان هذه المفاوضات كانت بدأت منذ زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الأخيرة لواشنطن والتي حصلت قبل أسابيع قليلة من انسحاب القوات الأميركية من بلاد الرافدين نهاية السنة المنصرمة. ويشير هذا السياسي الى ان الجانب الإيراني تمكن خلال المفاوضات من إقناع الجانب الأميركي بأن يكون جدول أعمالها شاملا وغير مجتزأ بين ملف نووي وملف سوري، بحيث تشمل هذين الملفين معاً. ويضيف ان هذه المفاوضات المزدوجة هي التي دفعت تركيا الى مراجعة حساباتها في تعاطيها مع الوضع السوري، فبعد ان كانت مندفعة بقوة في اتجاه ان تكون لها اليد الطولى في عملية إقليمية ـ دولية لإسقاط النظام السوري، إذ بها تنكفىء في ضوء المحادثات الأخيرة لوزير خارجيتها احمد داود أوغلو في طهران مع نظيره الايراني علي أكبر صالحي، ثم في موسكو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، أو على الأقل تراجع موقفها منتظرة ما ستسفر عنه المفاوضات الأميركية – الروسية، والأميركية ـ الإيرانية قبل ان تتخذ أي موقف جديد، على رغم رغبتها الملحاحة في ان يكون لها دور بارز في حل الأزمة السورية على حساب النظام لاعتقادها أن سقوطه سيؤدي الى تولي السلطة نظام يكون حليفا لها ويعزز حضورها السياسي المستقبلي في العالم العربي، ويمكنها من استعادة زمام المبادرة على مستوى المنطقة.
بيد أن فريقا آخر من السياسيين المتابعين للوضع السوري يتوقع ان ترتفع وتيرة المواجهات الميدانية بين النظام وخصومه خلال شهر شباط المقبل، وكذلك على المستوى السياسي بين القوى الدولية الكبرى المتعاطية مع الازمة السورية، وذلك استباقا لانغماس بعض هذه الدول ابتداء من آذار المقبل في استحقاقاتها الانتخابية، ولا سيما منها روسيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية في الوقت الذي ستنتقل رئاسة الدورة الحالية للقمة العربية من قطر التي تتزعم اللجنة العربية الخاصة بالازمة السورية الى العراق في الموعد نفسه على رغم ان ليس هناك مؤشرات واضحة عما اذا كانت هذه القمة الدورية ستنعقد في موعدها في أواخر آذار المقبل في بغداد، علماً انها لم تنعقد العام الماضي بسبب ما كان العالم العربي يشهده ولا يزال من متغيرات بدءا من تونس ومصر مرورا بليبيا واليمن والبحرين وصولا الى سوريا.
مرجع سياسي لبناني كبير ينظر الى ما تشهده الساحة العربية بكثير من التشاؤم، ويقول ان الخاسر الأكبر والوحيد من كل ما يجري من متغيرات وثورات و"ربيع العربي" وغيره هو القضية الفلسطينية التي لطالما كانت على الدوام "قضية العرب المركزية" منذ اغتصاب فلسطين عام 1948 من القرن الماضي، التي وتحت وطأة ما تعانيه هذه الدولة العربية أو تلك، تكاد تصبح " نَسياً منسيّا".