النظام السوري والمعارضة يحتميان بلبنان
وتوتر الحدود ينعكس على مكوّنات الحكومة
لا شك في ان النظام السوري لا يزال يستفيد في تمتين وضعه الداخلي والدولي من تمسك القيادة الروسية به عبر فرض ايقاعها الخاص على طريقة تعامل المجتمع الدولي معه واستطرادا مجلس الامن. وكذلك يستفيد من اللغز الاميركي (في عدم دفع الوضع السوري نحو الامام) مما يجعله مرتاحا الى عدم تدخل واشنطن بطريقة أكثر فاعلية، إذ تبدو كأنها تحترم حتى الآن المصالح الروسية في الشرق الاوسط.
واضافة الى الدعم الروسي عبر مد الجيش السوري بالسلاح المناسب، فان النظام السوري لا يزال متكئا على دعم ايراني مالي يساهم في إبقاء الاقتصاد السوري على حافة عدم الانهيار. واستنادا الى ما سبق فان النقطة الجوهرية تكمن في ماهية الخطوة التي يقوم بها النظام كي يحقق قفزة نوعية.
ففيما كان النظام السوري يتحدث عن احتمال حسم معركة حمص قبل اكثر من شهر، تدخلت الجامعة العربية بقوة، متخذة أول قراراتها في حق سوريا بتعليق عضويتها. ونتيجة لذلك توقفت معركة حمص، رغم ان المدينة بقيت منذ ذلك الوقت مقطعة الاوصال ، بعدما شهدت أحياؤها حربا اهلية واضحة المعالم. والامر نفسه تكرر في حماه وريفها وادلب وريفها، لتصبح المناطق الثلاث مناطق توتر دائم.
وتزامنا مع الاستعداد العربي للذهاب الى مجلس الامن، بدأت اشارات التحول الجوهرية في سير التصعيد العسكري، اذ اقتربت المعارك حول "العرش"، وأبواب دمشق. فالنظام يريد منع المعارضة من تسجيل نقاط قوية، والاخيرة تريد مواكبة مجلس الامن بانشاء منطقة بعيدة عن ايدي السلطة. وهنا أهمية التماس مع لبنان، وما يمكن ان ترتكز عليه سوريا في استخدامه قاعدة يرتكز عليها في اي استحقاق أمني فاصل.
ففي هذه المرحلة يكثر الحديث عن اقتراب المعارك من الحدود اللبنانية من الجهتين الشمالية، والبقاعية الشمالية. والتوترالمتقاطع مع لبنان والذي شهدته منطقة الزبداني في منطقة ريف دمشق الغربي، كان بداية تحول جذري في نقل منطقة التوتر التي كان يفترض اقامتها قرب تركيا، الى الحدود اللبنانية.
وخطورة انتقال المعارك الى محاذاة الحدود المشتركة، تطرح اسئلة عن مدى تأثير انعكاساته على الساحة اللبنانية من الجهتين الشمالية والبقاعية، ومن زاوية المعارضة والاكثرية في لبنان.
وتطرح اوساط لبنانية جملة اسئلة عن كيفية متابعة لبنان الرسمي، سياسيا وأمنيا لمجريات الحدث السوري اذا ما لجأ احد الطرفين، النظام والمعارضة الى الاستنجاد بحلفائهما في لبنان لرفد اي منهما بما يتوجب لبنانيا للمساعدة في تكريس وضعهما الميداني، عبر حركة دخول وخروج من لبنان واليه. وفي حين حذر "حزب الله" أكثر من مرة مما سماه استباحة الحدود الشمالية، فان ثمة هواجس ايضا في المقابل من لجوء النظام السوري بدوره الى حلفائه من أجل رفع مستوى المواجهة لبنانيا. فيما تُنقل ايضا محاذير من احتمال لجوء حلفاء المعارضة السورية من اعتماد السيناريو نفسه.
من هنا ترصد الاوساط اللبنانية اشارات التوتر الداخلي على اكثر من صعيد، رغم كل الكلام عن منحى حواري بين افرقاء الداخل. وينسب الى مسؤول امني رفيع لدى لقائه شخصيات سياسية بارزة ان ثمة سيناريوات عدة يجري التعامل معها بجدية حول تطور الوضع الداخلي، وان لكل سيناريو الخطة المضادة له. لكن المشكلة هي في ذهاب الامور نحو حدث متفلت من كل ضوابط، ولا سيما عندما تلوح امام النظام والمعارضة فرصة القيام بنقلة نوعية تحقق له الخرق المطلوب. وخطورة التداعيات الامنية، والروزنامة اليومية للتوتيرات الامنية الحدودية، تقابلها محاولة سياسية داخلية للهرب الى الامام، من خلال سعي الاطراف المحليين ،ولا سيما منهم الاكثرية الى تحديد ضوابط للحدث السوري قائم على "توازن رعب" بين الفوضى السورية وارتداداتها على لبنان. ولعل هنا مغزى التوتير القائم على طاولة مجلس الوزراء تحت عناوين ظاهرها سياسي واقتصادي، لكن باطنها استيلاد مشاكل تعكس مدى المأزق الذي تعانيه الفئات الممثلة داخل الحكومة، في مقاربة ملف كبير بهذا الحجم، لم يعتده بعد اي طرف لبناني، ما دام استلزمهم اشهرا كي يقتنعوا ان الوضع في سوريا اكثر من مجرد تظاهرات محدودة سيتعامل معها النظام، كما تعامل على مدى ثلاثين عاما مع الازمة اللبنانية. لكن يبدو ان ثمة أفرقاء يعطون لنفسهم وسوريا مهلا جديدة، من اجل النجاح في قمع "التظاهرات" والوصول الى نهاية سعيدة. وفي هذا الوقت يرتكب اكثر من طرف داخلي جملة اخطاء استراتيجية في تحصين ساحته المحلية، سواء بتعزيز العنصر الاسلامي او نقل ساحة التوتر من سوريا الى لبنان. وفي كلتا الحالتين يصبح ضبط ايقاع هذه العوامل صعبا جدا، حين يريد الجميع العودة مجددا الى النظام اللبناني بتركيبته المعهودة.