#dfp #adsense

“البعث” استعمار داخلي والتخلّص منه تحرّر وطني

حجم الخط

أن يكون الغرب الأطلسيّ قد تكيّف، بشكل ايجابي، وبسرعة قياسية، مع دينامية الثورات الشعبية الربيعية في بلدان عربية متوسطية سبق أن خرجت من ربقة الإستعمار الاوروبي (البريطاني والفرنسي والايطالي) قبل عقود، وضلّت طريقها في متاهات "التحرٌّر الوطني" فهذا بحدّ ذاته مدعاة للنظر والتأمّل.

هذا بشرط الاقلاع عن معزوفة ان "الغرب يسرق ثوراتنا"، مفككاًً نواتها المعادية للامبريالية، ومدجًّناً إياها في علاقات التبعية ذاتها، التي كان يحرسها امثال مبارك وبن علي، انما بعد تجديد الطقم هذه المرة، بالتعاون مع محاولات زرع أو تبيئة "الاردوغانية" عربياًًً.

فهذا التبسيط "الممانعاتي" هو التعامي بعينه، أمام الجديد الذي تحمله هذه الثورات، وهي بالفعل ثورات، اولاً لأن المشاركين فيها يسمونها كذلك، والمخالفين لها أو "المؤستذين" عليها يسمّونها بغير ذلك، مفضّلين الحديث مثلاً عن "انتفاضات". ففي عرف هؤلاء لا تصير الثورة اسماً على مسمّى، الا اذا بعثت كولخوزاً وسوفخوزاًً، او قامت بحملة لإبادة طير الدوري كما فعل الرفيق ماو تسي تونغ، او زار قادتها بعضهم بعضاً، بين بلد عربي وآخر، موقعين على مشاريع وحدة فوريّة. يظهر انه لا يمكن التصالح مع الطابع "الثوري" لهذا الربيع، الا اذا ابتدعنا مفهوماً جديداً للثورة، أو في أقل تقدير، لما هو ثوريّ فيها.

وما هو ثوريّ في هذا الربيع هو انه يتيح الخروج من المعاد المكرّر، الى آفاق مجهولة فعلاً، وهو بهذا المعنى يفتتح فعلاً القرن الحادي والعشرين. فهذا القرن تخلّف في بدايته عن الذي سبقه، في انه استبعد، بشكل كبير، النظر الى مستقبل الأجيال الآتية، في حين تحّرق القرن الماضي، منذ بدايته، لما سيكون عليه الحال "عام ". وفي المقابل، ازدهرت في اعقاب الحسم الغربي للحرب الباردة تصوّرات من مثل أنّه لم تعد هناك آفاق مجهولة في عملية التنظيم السياسي والقانوني للمجتمعات.

في المقابل، يعيد الربيع العربيّ الاعتبار لهذا الزمن الغائب، لهذه الآفاق المجهولة، سواء على صعيد مستقبل الحراك والبناء الديموقراطيين، او على صعيد العلاقة بين الافراد والشبكات والجماعات، او على صعيد العلاقة بين الدنيوي والغيبي، وهي علاقة من السخيف جدّاً ان يقال إن حلّها يكون بابتداع "الفصل" بين المستويين. الربيع العربي قد لا يعيد الاعتبار للعقلانية بحدّ ذاتها، لكنه على الاقل يدفع بنا الى تشغيل العقل في اكثر من اتجاه، وهذا بيت القصيد.

ولانه كذلك تحديداً، كان التكيّف الايجابي الغربي معه، والتجاوز السريع للمخاوف البديهية، في موضوعات متعددة ومترابطة كالهجرة والمهاجرين غير الشرعيين، وحركات التطرّف والارهاب والتحدّي الامني، وعودة الروح لرابطة "عثمانية" تركية عربية. ولم تجد المطاعن الليكودية والاقلوية الاسلاموفوبية صدى يذكر في هذا الاطار، بل أعاد الغربيون في العام الماضي اكتشاف مصر، وهم الان في صدد اعادة اكتشاف سوريا. وبين مصر التي تحرّرت مدنها قبل عام، وسوريا التي تحرّرت اكثر قراها الى الآن، يعيد الغرب اكتشاف نفسه. يطرح عليها، وبإلحاح يكبر، السؤال العملاني اليومي عن كيفية مواكبة هذه الثورات بنفس جديد، لا هو استعماري ولا هو غافل عن حقيقة انه كان ذات يوم استعمارياً.

والشيء بالشيء يقابل، لا يمكن لبلداننا ان تتنشّق هذا الربيع الا باستعادة اللحظة التي "استلمنا" فيها هذه البلدان من المستعمر، ففرّطنا فيها تحت شعارات "القضية المركزية" و"الرسالة الخالدة" ما فرّطنا، ورحنا، بذريعة "فك الارتباط" مع "الاستعمار الخفّي" أو "غير المباشر"، نقيم استعماراً داخليّاً محليّاً وجد كماله في الحالة السوريّة: نظام اقلوي دموي. ركنه الاول جيش "عقائدي" مبني على اساس العصبية. ركنه الثاني عصبية تقنع نفسها بأنها اما ان تستعمر الآخرين، وتستوطن بين ظهرانيهم، أو تنزل بها المصائب. اما الجامع بين الركنين فعائلة "مناضلة" لن ينسى السوريون واللبنانيون والفلسطينيون والعراقيون ما اقترفته بحقهم ولو بعد الف عام.
البعث استعمار داخلي. كل ما ساعد العراقيين بالأمس، وكل ما يمكنه ان يساعد السوريين اليوم، على التحرر منه، يمكن ادخاله في مسارات التحرّر الوطنيّ..

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل