
كتب أيمن شروف في "المستقبل": لم تنته فصول الأزمة داخل البيت العوني على خلفية ملف الأجور. الترميم لم يُقنع وزير العمل شربل نحّاس، والتعتيم لم يُجدِ نفعاً مع كوادر ومناصري "التيار الوطني الحرّ"، الفائز الوحيد على جري العادة، وزير الطاقة والمياه جبران باسيل. على الأرجح حظوظه تسابق حذاقته.
ما سُرّب عن "زعل" نحاس لم يكن "صدفة"، وما حُكي عن صفقة جرت بين باسيل ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ليس بافتراء. إلا أن الروايات كثيرة ومُتعددة، وحده النائب ميشال عون بمساعدة صهره، يستطيع تظهيرها بالطريقة التي تحفظ ماء الوجه مع الجميع، حتى مع وزير العمل الخائب من رئيس تكتله. لقد راهن كثيراً عليه، فتبيّن أن رهانه في غير محلّه، وأن الصفقات السياسية لها الأولوية المطلقة.
"العشاء السرّي" كان تمهيداً للقضاء على مشروع نحاس لتصحيح الأجور، ووسيلة لمعرفة ما يُمكن أخذه من ميقاتي وما يريده الأخير في المقابل. رئيس الحكومة يُمرّر الوقت ويحاول تفادي المعوقات، يعلم جيداً أن رئيس التكتل هو في وارد معاكس، فذاك يريد "التحصيل" قبل انتهاء الوقت المسموح به. هذا الوقت يعلم الاثنان أنّه يعمل على ساعة النظام في سوريا.
بأي حال، انتهى العشاء السرّي إلى اتفاق "اللدودين" على "حرق" مشروع نحاس. لكن كيف؟
تقول أوساط سياسية مطّلعة على ما جرى بالتفصيل إن مسرحيات كثيرة وسيناريوهات قيلت وسُرّبت عن كل ما حصل. إلا أن الاتجاه واضح ومحدد: ممنوع لمس جبران، وممنوع إضعاف التكتل.
ووفق مصادر مطلعة، بادر باسيل إلى إبلاغ وزراء التكتل قبل جلسة مناقشة مشروع نحاس، أن قرار التكتل هو بالتصويت لمصلحة مشروع ميقاتي للأجور وليس مشروع وزير العمل وعضو التكتل، وهذا ما حصل داخل الجلسة، ما شكّل مفاجأة لم يتوقعها نحاس من ألد خصومه في الحكومة، وزير الاقتصاد على سبيل المثال. خرج من بعدها وزير الاتصالات نقولا صحناوي ليقول إنّه فعل ما يريده التكتل.
لم تنته الأمور عند هذا الحد. شعر نحّاس بالخيانة من قبل أقرب الناس إليه، وهنا بحسب مطّلعين على ما حصل، بادر عون إلى الإيحاء لوزير العمل عبر وسطاء بأن باسيل تصرّف من رأسه، وأنّه لم يكن يعلم بأنه (أي وزير الطاقة) عمّم على وزراء التكتل قرارات باسم الجنرال وعن لسانه. فتحوّل باسيل إلى رئيس تكتل للحظة من اللحظات، وكان الصهر هو الآمر الناهي، وفي رأسه ما تمّ الاتفاق عليه في العشاء السرّي، وقبل هذا العشاء حين كان في جلسة مغلقة مع ميقاتي.
في أوساط نحّاس، يتحدث هؤلاء عن امتعاض كبير لدى نحاس، وكان يُفكّر جدياً بالاستقالة. هذا قبل أن يُسرّب إليه سيناريو باسيل وانقلابه على عمّه، فاقتنع وزير العمل بأن من يستهدفه ليس التكتل بأكمله وليس رئيسه، فطلب موعداً من عون يوم الجمعة بعد انقطاع يومين، والتقاه السبت أي بعد ثلاثة أيّام من نسف قانونه في مجلس الوزراء. مع باسيل العلاقة لا تزال متوترة بحسب مقربين منه، وهو بقي طوال أسبوع من دون أي تواصل معه.
هكذا يُصبح سيناريو عون ـ باسيل كالآتي: عشاء أوّلي بين الصهر ورئيس الحكومة، ثمّ عشاء ثانٍ بين الثنائي ورئيس التكتل، يخلص إلى الاتفاق على تمرير مشروع ميقاتي. بعد هذا الاتفاق كان الحديث بين العمّ والصهر، كيف سنتعاطى مع شربل نحاس؟ وكيف سنبرر موقفنا؟
من المؤكد، بحسب الأوساط، أن باسيل لا يمكن له بأي شكل من الأشكال أن يتصرّف من تلقاء نفسه، هو حاكم نعم ولكن ليس "فوق الجنرال". بالتالي، تجزم هذه الأوساط أن مبادرة وزير الطاقة للاتصال بوزراء التكتل والطلب منهم التصويت ضد مشروع نحاس كان بالاتفاق مع عون، وبهذه الطريقة، يحافظ الجنرال على خط الرجعة مع وزير العمل.
في المحصلة، انطلى السيناريو على نحّاس، الذي يوحي في مجالسه الخاصة بأنه كان ضحيّة باسيل وليس ضحيّة التكتل. مع العلم أنّه حتى التكتل كنواب، كان منقسماً بشكل عمودي بعد ما حصل في مجلس الوزراء، بعض النوّاب عبّروا عن سخطهم وتضامنهم مع وزير العمل.
أما نتائج هذا السيناريو المدروس بعناية: 15 مليون دولار لصندوق البترون، تمرير أمور عالقة في وزارة الاتصالات.
في المقلب الآخر، خسر وزير العمل كل شيء، ولم يجرؤ على استقالة كانت لتحفظ له بعض المؤيدين. قرر أن الكرسي أهمّ من كل شيء.