#dfp #adsense

“الشكوى” السورية

حجم الخط

تتكرر الشكوى الرسمية السورية من وضعية الحدود اللبنانية، مصحوبةً بسلسلة اتهامات مألوفة.. والغريب، ان ذلك الأداء، الذي صار يُشبه كل شيء إلاّ الذي كان سابقاً من أمرٍ وزجرٍ ونهيٍ وحكمٍ وتحكّمٍ، يتصاعد بالوتيرة نفسها لتصاعد حدّة المواجهة الداخلية عسكرياً ومدنياً، ويتصاحب مع تسريب خبريات وسوالف عن احتمالات "تدخل" عسكري سوري في الشمال اللبناني!

والحال إن سلطة دمشق لم تخرج بعد عن عاداتها الإقليمية الأصلية رغم دخول مستجدات داخلية يفترض بها أن تكون كافية وافية لتغيير تلك العادات، ولدفعها الى الانكباب على حالها وترك غيرها وجيرانها.
ومع ذلك، لا يمكن إلاّ الالتفات صوب تلك الاتهامات، باعتبارها شيئاً عصّياً على المنطق، قبل أن تكون استكمالاً لمدونة سلوك قديمة في السياسة والأمن ومشتقاتهما..

إذ إن التبرّم الرسمي السوري كان انطلق أساساً من استقبال اللبنانيين للعائلات السورية الهاربة من بطش آلة السلطة ولظاها وجبروتها وممارساتها.. وبقي يدقّ على ذلك الوتر بصحبة مجموعة "الهتّيفة" المحليين بطريقة ولا أعجب ولا أغرب.

…في لبنان الذي لا تمر عليه سنوات عشر كاملة من دون كارثة تدفع ألوفا مؤلفة من أبنائه وعائلاته الى الترحال والهجرة عن بيوتها وأراضيها وجنى عمرها.. في لبنان هذا خرجت تلك الأصوات من دون حياء، لتنضم الى معزوفة التنكيل حتى بأبسط الواجبات الوطنية المعطوفة لاحقاً على أبسط المبادئ الإنسانية!

..ثم ارتقى الانين الرسمي السوري الى مراتب أعلى.. الى اتهام أهل الشمال أولاً، ثم هم وأهل عرسال ثانياً، ثم كل هؤلاء و"تيار المستقبل" ثالثاً، تارة بتهريب السلاح والمسلحين، وتارة أخرى بإيواء "القاعدة" وأخواتها، علماً انه قبل ذلك، وبعد قليل من بدء الثورة في درعا سمعنا قصّة "بواخر السلاح" التي نظّم "المستقبل" رحلاتها المكوكية بين الموانئ اللبنانية وشقيقاتها السورية؟!

وصلت الأمور راهناً، الى توجيه اتهام يبزّ كل ما سبق، وعلى لسان السفير السوري في بيروت وفحواه ان "النسبة الأكبر من عمليات تهريب الأسلحة والمسلحين الى داخل سوريا تجري من لبنان".
لا داعي لأن يُقال، ولكن سيُقال، إن "خطأ" الحدود تتحمله القيادة السورية أولاً وأخيراً. وهي التي امتنعت على مدى السنوات الماضيات من التجاوب مع طلب الإجماع اللبناني بترسيم تلك الحدود ومراقبتها بالطريقة الصحيحة المعتمدة بين أي دولتين متجاورتين في العالم. لكن لأن تلك القيادة لا ترى الحدود، كما لا ترى الكيان الوطني اللبناني، ظلّت تراوح في مكانها، وعند مواقفها، الى أن بدأت تحصد (!؟) ثمار تلك المراوحة!، وان كانت تلك الثمار "مسوّسة" بالافتراء والتجني ليس إلاّ.

لكن لأن الأمر عمليّ وليس تنظيرياً، ولأن القصة طالت وتطول وتتطور، فإن المعني الأول والأساسي، بالرد على كل تلك الاتهامات ليس إلاّ الجهات الأمنية والعسكرية الرسمية اللبنانية قبل الجهات السياسية، وذلك صار أوجب الواجبات، حيث آن لنا أن نسمع ولو لمرة واحدة وحاسمة "رأياً" واضحاً في كل ذلك.

على أي حال، وبغضّ النظر عن كل تلك التوليفات والتركيبات الخاصة بلبنان، فإن القيادة السورية على دأبها، مستمرة في اتهام كل العالم بما يجري عندها. وفي اعتبار ثورة أهل سوريا، عملاً تخريبياً تآمرياً من أوله الى آخره.. ومن كانت تلك وجهته وقراءته رغم كل ما حصل ويحصل، ليس غريباً عليه أبداً، أن يعاود سيرته الأولى، بالتطاول الفظّ على لبنان واللبنانيين، وبتحريض بعضهم على البعض الآخر. غريب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل