#dfp #adsense

يجب الخلاص من حكومة برج بابل

حجم الخط

في السادس من شهر تشرين الثاني 2002، صدر عن مجلس المطارنة الموارنة البيان الشهري الذي يصوغه عادة البطريرك الكاردينال نصرالله صفير ويطبعه ويوزعه على السادة المطارنة لمناقشته ونشره بصيغته النهائية، وقد وردت فيه فقرة تعبّر عن مرارة بكركي حول «التجاذبات والمشادات الكلامية» بين القوى الحليفة للنظام السوري، وقوى المعارضة المؤطرة ضمن لقاء قرنة شهوان، بما يدلّ على أن النظام الديموقراطي في لبنان ليس في أحسن حال، وهذا النظام، يقول البيان «يعلّم ان من يسعى الى الربح، عليه ان يقبل بالخسارة، فلا يلجأ الى وسائل ملتوية لتأمين الربح الدائم، ولو جاء ربحه على حساب الشعب، ورأيه الذي يجب دائماً أن يكون له الكلمة الأخيرة…». ويتابع البيان منتقداً وآسفاً «لهمّ المسؤولين المنحصر في كيفية تأمين الانتصار على الخصم».

هذا الكلام الذي قيل منذ عشر سنوات، وقبل عودة العماد ميشال عون الى لبنان بثلاث سنوات، كان هدفه انتقاد الخطاب السياسي السائد في تلك الفترة، والاتهامات التي كانت تطول تحديداً الفريق المسيحي القريب من طروحات الكنيسة المارونية، بالاضافة الى انتقاد التدخل السوري في كل شاردة وواردة، واذا أغفلنا، في مجال المقارنة بين الأمس واليوم، ذكر التاريخ، الا ينطبق هذا الانتقاد على عمل هذه الحكومة وما يدور فيها من «تجاذبات ومشادات كلامية» وغير كلامية، ومن اتهامات طالت عدداً كبيراً من السياسيين، ولم توفّر حتى الشهداء، الأموات منهم والأحياء، الذين كانت دماؤهم الطاهرة التي اريقت على مذبح استقلال لبنان وسيادته وحريته وكرامته، السبب الأساس في عودة هؤلاء الى لبنان، ووصولهم الى كراسي الحكم «لتأمين الربح الدائم والانتصار على الخصم».

ليس غريباً على الحياة السياسية في لبنان، ان يشيد سياسيون بالنظام الديموقراطي ويتصرفوا بديكتاتورية، ولأن هناك عقيدة جديدة يؤمن بها البعض اسمها ديكتاتورية الديموقراطية، بمعنى أن يطوّعوا النظام الديموقراطي لخدمة أهدافهم وطموحاتهم واحلامهم الشخصية، واذا وجدوا معارضة ما تواجه سعيهم، وهذا شرط من شروط الديموقراطية، لجأوا الى اساليب لا علاقة لها بالديمقراطية، كمثل التهديد والوعيد والاتهامات، والتلويح باستخدام القوة والشارع وقلب الحقائق، وتشويه سمعة الشرفاء، وهذه وسائل قال عنها بيان المطارنة الموارنة منذ عشر سنوات انها «ملتوية لتأمين الربح الدائم، ولفرض رأيه الذي يجب دائماً ان يكون له الكلمة الاخيرة»…
***
ان تضارب المصالح الفئوية والشخصية، بين وزراء حكومة الخط الواحد – ومن المستغرب ان يستمر وزراء النائب وليد جنبلاط في هذه الحكومة، بعد كل ما يجري – حوّل الحكومة الى برج بابل، لا احد يحب احداً، ولا احد يتعاون مع احد، او يفهم على احد، ولذلك من غير المستبعد، ان تقوى هذه الحالة المدمّرة على عرّابي الحكومة، في الداخل والخارج، فتنهار قريباً، كانهيار برج بابل، في وقت كان من الواجب الوطني وضرورة مواجهة الاخطار المحيطة بلبنان، تشكيل حكومة تشبه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وطنية، وعقلانية، ومتجرّدة، ورصينة، تقف على مسافة واحدة من مختلف الافرقاء، ولكنها منحازة الى مصلحة لبنان العليا، والى مصالح الشعب الاساسية، بعيداً من المهاترات والتوترات والاتهامات التي لا تبني وطناً ولا تقيم دولة، وصدقاً ان الوقت لم يفت بعد، ويمكن للمؤمنين بانهم حقاً اهل الصبي، ان يبادروا الى تشكيل حكومة جديدة بهذه المواصفات، ولبنان لا يخلو من رجال دولة، يملكون القدرة على الامساك بتجرّد وشجاعة، بمقدرات الحكم في لبنان، ورئيس الجمهورية في هذا الخصوص، قادر بما يملك من صلاحيات دستورية، بعكس ما يعتقد البعض، وبالتفاهم مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، وبقصد المحافظة على الدستور والقوانين ومصلحة الدولة والشعب، على اتخاذ خطوات جريئة، لانقاذ البلد من هذه الحكومة، ومن استمرار تدهور الاوضاع، بسبب عجزها وتصرفات بعض وزرائها.

جميع الناس يشكون من هذه الحكومة، ويشكون من خلافات القيادات السياسية التي لها حصة الاسد فيها، ويطمعون باكثر،والحكومات في الدول ذات النظام الديموقراطي الحرّ، تعمد احياناً، اما الى الاستقالة الطوعية لتجديد ذاتها والثقة بها، واما الى اجراء استفتاء شعبي حول عملها وانجازاتها، وبما ان الدستور اللبناني، ولاسباب طائفية، لا يبيح الاستفتاءات، فعلى الاقل، يمكن للحكومة ان تعرف مكانتها وقيمتها لدى الناس، عن طريق مؤسسات موثوقة متخصصة باستطلاعات الرأي، تضع استمارة بما يريده الناس وبما يرفضون، وبهذه الطريقة الديموقراطية الحضارية، الجديدة على الحياة السياسية في لبنان، يمكن وضع خريطة طريق لاي حكومة مقبلة تكون حقاً منتخبة ومقبولة من الشعب.

المصدر:
الديار

خبر عاجل