
كتبت صحيفة "اللواء": الحدث في سياقه المؤسساتي لا يبدو غريباً، إلا ان الظروف التي تحيط بقرار من نوع تعليق جلسات مجلس الوزراء، بعد مداخلة طلب فيها الرئيس ميشال سليمان بزيادة الانتاجية، وبروز "المشاكسة العونية" كبند يومي على جدول اعمال الجلسات، منذ المماحكات المعروفة لوزير العمل شربل نحاس والتي اعاقت صدور مرسوم تصحيح الاجور في القطاع الخاص على مدى اربعة اشهر، تجعل من اعتراض وزراء تكتل عون على التعيينات في الهيئة العليا للتأديب ومجلس الخدمة المدنية، امراً يدعو الى الريبة:
– هل ما حدث يرتبط بتطورات ما في لبنان تقضي بتسديد ضربة لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي؟ أم أن الخطوة وان اتخذت هذا الشكل، تأتي في سياق توجيه رسالة مؤداها ان عدم الاقدام على ضبط الحدود من لبنان باتجاه سوريا في المناطق الشمالية، عبر ارسال تعزيزات من الجيش وقوى الامن الى تلك المنطقة، في ضوء معلومات عن فشل هذه المحاولة التي كان يقف وراءها السفيران السوري والايراني في بيروت لاقناع الحكومة اللبنانية، من خلال وزير الدفاع فايز غصن باتخاذ قرار كبير من هذا النوع، من شأنه ان يتعب حكومة ميقاتي في ضوء تطورين اولهما الزيارة المرتقبة الى فرنسا والاجتماع مع الرئيس نيكولا ساركوزي، وثانيهما اعلان الغرفة الاولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان انها قررت اجراء محاكمات غيابية للمتهمين الاربعة في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ربما قبل حلول الذكرى السابعة للاغتيال في 14 شباط، وقبل اصدار قرار اتهامي جديد في قضيتي محاولة اغتيال النائب مروان حمادة والوزير السابق الياس المر.
وهل كان رعاة الحكومة الحالية على المستوى الرئاسي والقوى والكتل النيابية قد تعبوا من بعضهم البعض فصارت ادنى قضية يمكن ان تشكل حجة لانفضاض الحلف وتفرق العشاق الذين اجتمعوا في لحظة ما للاطاحة بحكومة الوحدة الوطنية؟
أم ان وراء الأكمة ما وراءها وان الساعة حانت للضغط من "الحديقة اللبنانية" في مرحلة المسارات الصعبة بالنسبة للازمة السورية؟
من شأن التطورات اللاحقة ان تأتي بالاجابات عن هذه الاسئلة، وتكشف طبيعة الرسائل المطلوبة ومدى علاقتها بالمسارات الاقليمية او بالطموحات السياسية، علماً ان اوساط حكومية متابعة اكدت ليلاً ان ما جرى في الجلسة ليس له علاقة بتطيير الحكومة، بقدر ما هي محاولة ابتزاز من جانب النائب ميشال عون الذي يربط كل شيء على صعيد التعيينات وغيرها بمجلس القضاء الاعلى، وبالشخصية التي يريدها لهذا المركز.
اما ما حدث، فالمعلومات التي تجمعت لدى "اللواء" افادت بأن رئيس الجمهورية ميشال سليمان بعدما انتهى النقاش حول قضية "داتا" المعلومات بجملة مقررات، تلاها وزير الإعلام وليد الداعوق، عقب انفضاض الجلسة، طرح موضوع التعيينات المدرج على جدول الأعمال، بدءاً برئيس هيئة التأديب، اعترض الوزير جبران باسيل، فردّ الرئيس ميقاتي قائلاً بأن هذه التعيينات مرتبطة برئاسة الحكومة، وهي من صلاحياته ولا علاقة لها بالآلية، ولكنه احترمها في طرح الأسماء، فأجابه باسيل مكررا الاعتراض وطالباً التأجيل، مشيراً الى أن وزراء التكتل يريدون التشاور، فوافقه الرئيس سليمان وأعلن عن تعليق الجلسة لدقائق، حيث حصلت حلقات تشاور داخل القاعة وأمامها، في حين أجرى بعض الوزراء اتصالات هاتفية من أمام القصر الجمهوري للتشاور.
وبعد عودة الوزراء إلى القاعة، أعلن الرئيس سليمان مساندته لموقف الرئيس ميقاتي، لكن باسيل كرر رفض المناقشة في التعيينات من دون تبرير أسباب الرفض، وأشار وهو يغادر القاعة مجدداً أنه لا يمكن لأحد إجبارهم على أمر يطرحه رئيس الحكومة، "وإذا كانت هذه صلاحياته، فنحن أيضاً لنا حق ولنا صلاحيات".
وهنا همّ الوزير شربل نحاس بمغادرة القاعة، فاعترضه الرئيس ميقاتي قائلاً "لستم أنتم من يفرط النصاب، النصاب ما زال قائماً، ولكنني أنا أطلب رفع الجلسة".
ثم خاطب الرئيس سليمان قائلاً "فخامة الرئيس، هناك نيّة واضحة للتعطيل، لقد قلت قبل دقائق أن مجلس الوزراء بدون إنتاجية، وهناك وزراء يقولون الأمر نفسه، لكنني ألمس عرقلة من داخل مجلس الوزراء، في وقت اعتمدنا الآلية، والأسماء المطروحة مشهود لها وتتميّز بالكفاءة.. هذا تعطيل، على غرار ما حصل لمرسوم بدل النقل، وأنا أطلب رفع الجلسة".
وخرج الجميع على الأثر دفعة واحدة، من دون أن يعرف الصحافيون في الخارج ماذا حصل، لولا توضيح الوزير نقولا نحاس أن رئيس الحكومة هو من رفع الجلسة بسبب اعتراض وزراء التكتل على التعيينات التي طرحها.
أما الرئيس ميقاتي، فاكتفى بالتعليق على ما حصل بتصريح خص به تلفزيون "الجديد"، بقوله: "ان ما حصل في مجلس الوزراء اليوم (امس) كان قرارا واضحا بتعطيل عمل الجلسات وجعلها من دون جدوى، فعندما يقال ان قرارات مجلس الوزراء تعطل من الداخل ينبغي لمن يطلق هذا الكلام ان يوجه السؤال إلى نفسه، فهل يجوز مثلا ان يتخذ قرار ببدل النقل ويرفض الوزير توقيع المرسوم؟".
واضاف: "ان في موضوع التعيينات موضع الخلاف، اتبعت الآلية المتفق عليها والاسماء المقترحة تتمتع بالكفاءة وبكل الشروط المطلوبة، لكن البعض لا يريد التعيينات ولا يريد انتاجية. هناك محاولة لفرض التعطيل، وهذا امر لن اقبل به، لن اعتكف ولن استقيل، ولكن انا كمسؤول عن مجلس الوزراء لن ادعو إلى جلسات جديدة قبل الاتفاق على كيفية تفعيل عمل مجلس الوزراء وانتاجيته".
واوضحت اوساط ميقاتي، انه سيكون له كلام اليوم، في الاطار نفسه، اثناء الاحتفال الذي سيجري في مرفأ طرابلس لمناسبة الانتهاء من اعادة ترميمه.
ومن جهته، قال باسيل ممتعضا لدى خروجه: "صليبنا كبير"، ثم اضاف لاحقا: "هذه سابقة لن نقبل بها بأن يعرض رئيس حكومة امراً لا يمكننا ابداء الرأي فيه. وكأن له صلاحيات ونحن ليس لدينا صلاحيات".
اما شربل نحاس فقال: "نحن نمثل اكبر كتلة نيابية، ولا نقبل ان يصبح لبنان كإمارة خليجية".
وكشفت اوساطه، ان وزراء عون كانوا ينوون الخروج لتعطيل النصاب، وعدم الوصول إلى تصويت الذي لو حصل لكان سقط الاقتراح واحرج رئيس الحكومة. مشيرة إلى ان طرح الاقتراحات بصورة انتقائية من شأنه ان يكرس اعرافاً جديدة، وهذا الامر يعد تغييرا في الدستور".
"داتا" الاتصالات
وكان مجلس الوزراء ناقش على مدى ساعتين ونصف الساعة موضوع "داتا" الاتصالات، واستمع لرأي كل من وزراء الداخلية والاتصالات والدفاع ونتيجة النقاش المستفيض، والذي أكد فيه الجميع ان ثمة ضرورات أمنية تستدعي إعطاء المعلومات للأجهزة الأمنية، تمت الموافقة على تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة وعضوية وزراء الداخلية والعدل والدفاع والاتصالات بهدف تعديل القانون 140 الصادر في العام 1999، وصلاحيات الهيئة القضائية العليا، بما يؤدي إلى حصر الصلاحية في إعطاء "الداتا" لهذه الهيئة فقط، وليس لأي وزارة، وان الذي فرض ذلك هو ان القانون 140 لم يلحظ في حينه دخول تقنيات جديدة على قطاع الاتصالات توجب لحظها في القانون.
وأوضح الوزير مروان شربل ان مجلس الوزراء تبنى إكمال غرفة التخابر والاعتراض حتى يتم الاستغناء عن طلب "الداتا" من الوزارة، مشيراً إلى ان الهيئة القضائية هي التي تقرر متى تعطي هذه "الداتا".