كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية": يستعدّ اللبنانيّون للعديد من الاستحقاقات الدولية هذا الشهر، فإلى تجديد التفويض المعطى للمحكمة الخاصة بلبنان الذي يستحقّ في 29 شباط الجاري، يواصل الممثل المقيم للأمين العام للأمم المتحدة السيّد روبرت واتكنز جولاته على المسؤولين تحضيراً للتقرير السادس عشر لبان كي مون حول القرار 1701. فكيف يستعدّ اللبنانيّون لهذه الاستحقاقات؟
من نافل القول إنّ الانقسام اللبناني الحادّ على أكثر من مستوى سينعكس سلباً على طريقة التعاطي مع الأمم المتحدة التي باتت منذ سنوات عدة على تماس مع القضايا اللبنانية بشكل دوري تقريبا. ولذلك قد لا يمرّ شهر إلّا ويكون هناك استحقاق لبنانيّ – دولي. فإلى المحكمة الخاصة بلبنان التي خرجت منذ إنشائها عن سلطة الأمم المتحدة، هناك فريق خاص يُدار من نيويورك مهمّته متابعة تنفيذ القرار1559، وآخر مكلّف بمتابعة ما تمّ تنفيذه من القرار 1701 تزامُنا مع التعاطي شبه اليومي بين السلطات اللبنانية والقوات الدولية المعزّزة في الجنوب.
الأكثريّة "عضّت على جرحها"
وعليه، تعترف الأوساط السياسية والدبلوماسية أنّ لبنان بات مدينا للأمم المتحدة في الكثير من محطاته الخارجيّة والدولية. فعلى رغم الانقسام الحادّ بين اللبنانيّين هناك اعتراف شبه تامّ بعدم القدرة على التملّص من الاستحقاقات الدولية وفق الروزنامة التي رسمتها قرارات الأمم المتحدة بدليل انصياع الجميع امام المهلة الأخيرة التي أعطِيت نهاية تشرين الثاني الماضي أمام تسديد حصة لبنان للمحكمة، فتجاوزت الجهات المعارضة مجمل ملاحظاتها و"عضّت على الجرح" وقبلت بالخسائر الكبيرة التي مُنيت بها تحت عناوين شتّى ليس أقلّها الحفاظ على التركيبة الحكوميّة الحاليّة وحماية السلم الأهلي إلى ما هنالك من التبريرات التي أُعطِيت، والتي لا تغني ولا تفيد في الحسابات الدوليّة.
ولذلك تبدو الأكثرية الحاكمة اليوم أمام استحقاق جديد قد يكون أقسى ممّا سبقه، فالحديث المتنامي عن المحكمة واستهدافاتها المعلنة للمقاومة ومحور الممانعة، إلى ما هنالك من النعوت التي أُلصِقت بها بات كلاماً بلا مفاعيل، وسيتجاوز لبنان المرحلة متوافقا مع القرارات الدولية، وسيقبل من دون عناء تمديد التفويض الذي ينوي الأمين العام للأمم المتّحدة إصداره لهيئة المحكمة في 29 شباط الجاري لثلاث سنوات بعد الاستشارات الشكليّة التي سيقوم بها مع الجانب اللبناني ومجلس الأمن الدولي.
إستحقاق ميَسّر وبارد!
أضف إلى ذلك، تقول المصادر الحكومية التي تواكب الملفّ إنّ هناك الكثير من المحطّات السياسية التي ستجعل من هذا الاستحقاق ميَسّراً وبارداً. فرئيس الحكومة الذي طالما جدّد بمناسبة وبغير مناسبة احترامه للقرارات الدولية والتزامات لبنان تجاهها سيكون في الفترة التي تواكب استشارات الأمين العام للأمم المتحدة في باريس متنقّلا بين قصر الإليزية وقصر ماتينيون في العاصمة الفرنسية وبمعيته وزير الخارجية عدنان منصور الذي أوكِلت إليه مهمّة هندسة السياسة الخارجية متى تمكّن من التفرّد بحضوره وقدرته على الخروج المتمادي عن الإجماع الحكومي، ما جعله هدفاً سهلاً من أهل البيت الحكومي وحلفائه في حكومة "كلّنا للعمل". وكلّ ذلك يحصل في وقت يجري فيه التحضير لزيارة أخرى لميقاتي الى أنقرة في النصف الثاني من الشهر الجاري. وقد تُحدَّد مواعيد إضافية لزيارة أخرى قد تنقل الرئيس ميقاتي نهاية الشهر الجاري الى "10داوننغ ستريت" ليواكب من "عاصمة الضباب" لندن قرار التمديد للمحكمة متخفّياً بعباءة التضامن الحكومي والحاجة الماسّة اليه رئيسا للحكومة، ومتسلّحاً بمضمون الرسالة التي تلقّاها أوّل أمس من نظيره البريطاني دايفيد كاميرون الذي رحّب به في بلاده ساعة يشاء واعداً بـ"صفحة جديدة" من العلاقات بين البلدين وبـ"سنة مثمرة للعلاقة الثنائيّة" على كلّ المستويات السياسية والعسكرية والصحّية والتربوية قياساً على "الوفاء بالتزاماته الدوليّة"، كما جاء في نصّ رسالة كاميرون الى ميقاتي.
الأولويّة ليست لملفّ لبنان
أضف إلى ذلك، تقول المراجع الدبلوماسية إنّه لا يمكن التقليل من أهمّية القضايا المطروحة على طاولة مجلس الأمن الدولي، والتي ستحجب أو أنّها على الأقلّ لن تسمح بالبحث في أيّ من ملاحظات الأكثريّة الحكومية اللبنانية على اتّفاقية المحكمة وبرتوكولاتها. فانغماس مجلس الأمن في الملفّات العالميّة الساخنة، والثورة السوريّة واحدة منها، لن يسمح بأن يكون الملفّ اللبناني مفتوحاً امامها، وخصوصا في ضوء العناوين التي يصرّ عليها معارضو المحكمة والساعون إلى إعادة النظر أو تعديل اتّفاقية التعاون القائمة بين لبنان والمحكمة وأيّ من برتوكولات التعاون التي تحكم العلاقة بينهما على الأقل.
على هذه القواعد تستعدّ الدبلوماسية اللبنانية لمواكبة هذه الاستحقاقات بعين المراقب لا أكثر ولا أقلّ، تزامُناً مع حرص الأكثريّة على عبور المرحلة بأقلّ الخسائر الممكنة، وخصوصاً تلك التي يمكن أن تنعكس على التضامن الحكومي أو على أداء الرئيس ميقاتي الذي التزم، بالإضافة إلى احترام القرارات الدوليّة، بمضمون الوثيقة الإسلاميّة التي أُطلِقت في العاشر من شباط العام الماضي، ومعه حلفاؤه الوسطيّون الذين لا ينفكّون التأكيد على التعاطي مع المواعيد الدوليّة بكثير من الاحترام والالتزام من دون أيّ نقاش. فكيف إذا كانت كلّ هذه الاستحقاقات قائمة بين محطّتي 14 شباط و14 آذار، والتي ستكون فيها الساحة الداخلية مشدودة إلى ما تعنيه المحكمة بالنسبة إلى "قادة" المناسبتين ومعهم ما يوازي الثلث الحكومي الوسطي بحالته الحاضرة.
وبناءً على ما تقدّم، تتطلّع المراجع الدبلوماسية الى مسلسل الاستحقاقات الدولية على أنّها من المحطّات التي سيعبرها لبنان من دون أيّ شائبة قد تطال العلاقات بين لبنان الدولة بخاصة، والمجتمع الدولي بعامّة. فها هي النتائج التي آلت اليها الزيارة الأخيرة للأمين العام للأمم المتحدة الى لبنان تؤشّر إلى عدم قدرة أحد على تجاوز المواعيد الدولية، فالمنطقة تغلي، ومن تستقوي بهم القوى الداخلية في لبنان لتسجّل انتصاراتها الدولية تعيش أيّاما صعبة لا حول لها ولا قوّة لها على مساندتها. ولذلك كلّه، ما على الأكثرية المناهضة للمحكمة والقرارات الدولية سوى أن تنحني أمام العاصفة الدولية المدبّرة على لبنان والمنطقة الى أجل غير مسمّى.