لا تنتج النُظم الشموليّة المستبدّة بفعل قدرتها على الفتك، إلاّ "ثقافة" الاستبداد والفتك. ولا تعطي، في محصّلة جناها، إلاّ تأطيراً لغوياً لمضمونها الإجرامي، وشكلاً إعلامياً مضيئاً لبيانها القمعي والعتمي. تماماً، كما تعطي ثوباً ثقافياً لجسمها التعسفي. فيُسمَّى هذا، أو يمكن أن يُسمَّى عسساً فكرياً!
.. حيث المسدّس جواب حاسم على الفكرة والرأي. وحيث الشتيمة وسفالتها ردّ جاهز على حجّة قاهرة لا تُجادل، ولا تُستأنف، ولا تُردّ بما هو عند مستواها.
ولأنّ تلك المنظومة متكاملة، تبدأ بالأمن وتنتهي به! فإنّ كل حواشيها مشتقّة من ذلك الجذر التأسيسي. وتلك الحواشي تتصل بكل شأن من شؤون الدول وناسها، بدءاً بالهيئات الدستورية والسياسية والتربوية والاقتصادية والنقابية والعسكرية، وصولاً إلى الشأن الإعلامي ورديفه "الفكري".
ومن طبيعة الأشياء بعد ذلك، أن تجد وزيراً برتبة عريف في جهاز الاستخبارات! أو سفيراً برتبة رقيب في جهاز الأمن! أو مديراً برتبة نفر في جهاز آخر! أو صحافياً برتبة مخبر! أو كاتباً برتبة واشٍ! أو شاعراً (بقرار حزبي) برتبة رائد في الأمن الوقائي! أو صُويحفاً برتبة سفّاح فتّاك!
.. لا شيء يقارب اكتمال الفتك بالمسار الطبيعي للدنيا وأهلها، أكثر من أنظمة الفتك وحزبها الأوحد، وبُناها وإنتاجاتها. ولا شيء يُقارب الاعتداء التام على الحرية بمعناها الحتمي الملازم للحياة وشروطها، أكثر من أهل الأدلجة الخلاصية، المدّعية تقديم جواب عن كل سؤال. وحلٍ لكل معضلة. ودواء لكل علّة. لكنّها في نهاية المطاف وختام القصيدة، لا تقدّم إلاّ التباساً دموياً له أوّل وليس له آخر، وخراباً ودماراً تحيلهما محل العمران والبناء والمدنية والحداثة. وسفكاً مدراراً للأرواح والطاقات والثروات والإمكانات والمشاعات، وتحطيماً لا قعر له لوشائج الاجتماع الأهلي وعاداته وأخلاقياته.
.. في تلك الأنظمة الرابضة على بنيان الاضطهاد المؤدلج، حيث الكلام الكبير يعني أفعالاً حقيرة، والشعارات النبيلة تعني ممارسات منحطّة. وصرخات الممانعة تعني إمعاناً في إذلال الداخل الوطني واحتقار مكوّناته وناسه. وبناء القدرات يعني مراكمة الأجهزة فوق الأجهزة. وادّعاءات الوحدة تعني تفتيتاً عابراً لحدود الكيانات والجماعات والطوائف والمذاهب. واللغو بالتقدم والحضارة يعني عودة إلى طقوس الغابات ووحوشها. والعلك بالشفافية والمحاسبة يعني تنظيماً للسرقة الشرعية والنهب المنهجي وتأسّياً بسيرة المافيات ونهلاً من مَعينها العميق.. في تلك الأنظمة يُسمّى القتل "بعثاً".. وتخرج على الدنيا والناس رعونة بطّاشة تعدم الحاضر والمستقبل مثلما أمعنت في إعدام الماضي!
.. في تلك الأنظمة تنمو مخلوقات بدائية مهينة للمعنى الأوّل للعيش والذوق والأدب والأخلاق. وتجد مع ذلك، مَن يسمِّيها بأسماء شتّى، آتية من جذر إنساني ما، فيما هي في حقيقتها الأكيدة، تشبه كل شيء إلاّ الإنسان.. حتى البدائي منه!