تعد حالة "حزب الله" حالة تتطلب دراسة مسهبة في حالة مشاركته السّياسيّة، فرغم تمثيل الحزب في الحكومة اللبنانية منذ عام 2005، فإنه لا يزال محتفظا بسيطرته على الضاحية الجنوبية في لبنان، ولا يزال يمثل مصدر تحدّ لسلطة الحكومة اللبنانية. كلّ ذلك في ظلّ شبكة حلفاء سياسيّين نسجها "حزب الله" من موالين له ولسوريا ولإيران حليفته الاستراتيجيّة الايديولوجيّة.
وتعتبر حوادث أيّار 2008 مثالا على ذلك، حيث لجأ الحزب لاستخدام القوة العسكرية من أجل ضمان الحصول على ما سمّاه "الثلث المعطّل" في الحكومة اللبنانية. كما أنّ البيان الذي أصدره "الحزب" حول حاجة الحكومة له للدفاع عن آبار النفط اللبنانية في المتوسط، يفيد بطرحه نفسه كشريك للحكومة اللبنانية في الدفاع عن مواردها، وكمبرّر جديد لاستمرار احتفاظه بسلاحه، وذلك في الوقت الذي لم تحسم فيه مسألة سلاح "الحزب" داخليا.
الحلّ كما بات متعارفاً عليه منذ أكثر من عقدين من الزّمن يكمن في يد الذي يملك السّلاح وليس في يد من يملك القرار السياسي في الدّولة فقط، وذلك لأنّ صاحب السلاح هو الذي يملك القرار السياسي. فالسّلاح هو الحلّ، وليست عمليّة الدّفاع بنظر الحزب عمليّة استلحاقيّة إنّما هي عمليّة استباقيّة ليخدم بها الحزب مصالح أوليائه من خارج الحدود.
من هذا المنطلق تحوَّل الحزب إلى فاعل جديد في السّياسة اللبنانيّة وبات دوره كذلك المحرّك الشّعبوي الذي يتمثّل اليوم بكلّ شبكات التّواصل الاجتماعي التي باتت بدورها محرّكًا لشعوب المنطقة.
لكن المفارقة الواضحة تتعلّق هنا بالتّحوّل في السّياسة الخارجيّة للفاعلين الجدد الذين لم يعودوا محصورين في شبكات التواصل الاجتماعي أو الجمعيّات غير الحكوميّة NGO. فعلى سبيل المثال، يمكن رصد حدوث تحول مهم في سياسة "حزب الله". فقبل الثورات العربية، كان الاهتمام الخارجي للحزب يقتصر على إسرائيل التي صوّرها على أنّها العدوّ الأوّل، وعلى إيران وسوريا اللتين قبل التحالف معهما من أجل تعزيز قدراته على التصدي لإسرائيل، وكان اهتمامه بأمور أخرى هو من قبيل الاستثناء.
مع حالة الثورة، اتّسع نطاق الاهتمام الخارجي لـ"الحزب" ليشمل تحرك الشعوب العربية. ويلاحظ أنه في معظم الحالات، كان موقفه متّفقا مع الموقف الإيراني منها، ونذكر هنا – على سبيل المثال – موقف "الحزب" من الاضطرابات السّياسية في البحرين، حيث رأى نصر الله في الخطاب الذي ألقاه في المهرجان الذي نظمه الحزب لدعم ثورات الشعوب في 19 آذار 2011 – أنه "لا فارق بين حكم آل خليفة في البحرين، وحكم آل مبارك في مصر، وحكم آل القذافي في ليبيا". ورأى أنّ ما يجري في البحرين هو تظاهرات سلمية، وأنه "تم إرسال الجيوش إلى البحرين للدفاع عن نظام غير مهدد بالسقوط، إذ إن المعارضة هناك سلمية بحتة". كما رأى أنّ الحرب في ليبيا هي "حرب فرضها النظام على شعب كان يطالب بالتغيير من دون استخدام السلاح، وأصبح الشعب أمام خيار الدفاع عن نفسه". وحمّل نصر الله النظامين اليمني والبحريني مسؤولية وضع البلدين "على حافة الحرب الأهلية".
واليوم بما يتعلّق في الملفّ السّوري، فنظرة "الحزب" لا تختلف كثيرا فهو ينظر إلى الامر هناك من عين مكافحة الجمعيّات الارهابيّة وهذا المطلب لطالما دعا إليه كلّ المجتمع الغربي، بهذه الطّريقة يسوّق "الحزب" نفسه كمحارب للإرهاب، لكن ما أغفله "الحزب" هنا هو حقّ الشّعوب في تقرير مصيرها. بغضّ النّظر عن وجود تظاهرات تدعم النّظام، لكنّه لا يمكن إغفال تلك التي لا تدعم النّظام، فلقد تخطّت ممارسة جماعات منفصلة عن جيش نظامي لتصبح ممارسات لجيش نظامي انبثق عن جيش إرهابي أكبر منه.
وهذا الموقف وضع الحكومة اللبنانية في حرج، خاصة أنّها لم تصدر تصريحا يؤيد أو يدين تحرك أي من الشعوب العربية، وذلك كلّه من منطلق سياسة النّأي بالنّفس التي أوجدتها الحكومة اللبنانيّة ليبقي "حزب الله" المكوّن الرّئيس فيها على صيغة توأمته مع الحكومة السّوريّة من جهة والنّظام الايراني من جهة أخرى.
وقد اتخذت البحرين التي تمكن النظام فيها من وضع حد للاضطرابات، من خلال استخدام القوة العسكرية وفرض حالة السلامة الوطنية، عدة إجراءات في مواجهة لبنان الدولة. وأصدرت وزارة الخارجية البحرينية بيانا رسميا بعد خطاب نصر الله يهدد الحكومة اللبنانية بتحميلها مسؤولية تصريحات "حزب الله"، ووصف "الحزب" بأنه "منظمة إرهابية" في سابقة من نوعها، وأعلنت الحكومة إلغاء الرحلات المنطلقة من البحرين إلى بيروت.
فعلى سبيل المثال، ولإدراك ألمانيا صعوبة إالافراج عن الأسرى الإسرائيليين لدى "حزب الله" من خلال التفاوض مع الحكومة اللبنانية، عملت على التفاوض مع قادة "الحزب". كما يلعب الاخير، وإن بطريقة غير مباشرة، دورا مهما في تسهيل مهام اليونيفيل في جنوب لبنان، وفي هذا السياق نطرح تساؤلا مهمًّا هنا، ألا يُعتبر مسؤولا عن ضبط الأمن في منطقة يصنّفها أمنيّة وفقا لمارسة نشاطه المقاوماتي فيها مسؤولا عن كلّ الاعتداءات الأمنيّة، على أيّ مكوّن من مكوّنات هذه المنطقة؟
كلّ ذلك يؤكّد دور "حزب الله" في تركيبة الدّولة اللبنانيّة، لكن المفارقة المطروحة هي: كيف سيكون شكل الدّولة اللبنانيّة في حال لم يكن "حزب الله" فاعلا جديدًا فيها؟ مع كلّ تحفّظنا على أنّنا لم نطرح فكرة إلغاء "حزب الله" من التّركيبة اللبنانيّة لأنّنا لسنا كحلفاء "الحزب" ممّن يريدون إلغاء الآخر ليبقوا وحدهم في الساحة السياسيّة إن بحرب إلغاء من هنا وإن بتزوير حقائق تاريخيّة من هناك.
إنّ ما نسأله هنا قراءة واقعيّة من قبل كلّ اللبنانيين عموماً والمسيحيّين خصوصاً، هل سياسة النأي بالنّفس التي ابتدعتها الحكومة ومؤسّسها "حزب الله" تمثّل تطلّعاتكم المستقبليّة إلى لبنان الدّولة؟ نسأل اللبنانيين عموما والمسلمين الشّيعة خصوصا، هل تقبلون بأن يكون مستقبل علاقتكم بالعالم العربي مرهونًا بموافقة فارسيّة في ظلّ دور المجتمع الدّولي البارز في الملفّ الايراني اليوم؟ وللمسلمين السّنة نسألهم: ألم يحن الوقت بعد لتعلنوا وللملء تمايزكم عن فكر هجين بات دخوله إلى التركيبة اللبنانيّة التي ناديتم بها في 14 آذار 2005 أمرا محتوما؟ أخيرا وليس آخرا، لكلّ اللبنانيين سؤال واحد نسألهم: هل هذا هو لبنان الحلم الذي تطمحون إلى تحقيقه؟
الاجابات عن كلّ هذه الأسئلة ستكون بتحكيم الضّمائر في صناديق الاقتراع في العام 2013.