لم يجد خصوم النائب ميشال عون مفراً من الإعتراف لـ"التاريخ"، أن "جنرال الرابية" أبدع في "تلقين" وزراء ونواب وكوادر "التيار الوطني الحر" دروساً في "حروب الإلغاء"، بدليل ما هم عليه اليوم، من "إستكبار" لم يعد أحد قادرٌ على تحمله، لا في مجلس النواب ولا في مجلس الوزراء، لا سيما الحلفاء قبل الخصوم.
ولكن، ما لا يريد هؤلاء إدراكه، أن حروب جنرالهم "الخاسرة" لم تؤد إلا إلى إلغائه أولاً، وتهميش المسيحيين ثانياً، وتدمير لبنان ثالثاً، ولولا "دماء شهداء ثورة الأرز"، كما قال النائب وليد جنبلاط ما كان عون ليعود من منفاه الباريسي، والأنكى انه عاد بـ"صفقة سورية" داس بها على تلك الدماء.
وكأن المعادلة اليوم باتت تختصر بالآتي: كلما تقدم السن بعون، وابتعدت عنه كرسي الرئاسة، كلما شهد اللبنانيون على إنحدار سياسي وأخلاقي من تيار تحكمه عقدة "الانا" التي تسببت بـ"بحروب كثيرة عبر التاريخ"، بحسب رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي لا يسلم من سهام العونيين كلما اقتضت حاجتهم لـ"المزايدة" مسيحياً.
ليس هذا وحسب، بل يرى العارفون بما يدور في كواليس "التيار العوني"، أن لهذا الإنحدار السياسي والأخلاقي علاقة بـ"مأزق" تراجع شعبيته في الشارع المسيحي منذ انتخابات العام 2005 مروراً بانتخابات العام 2009 التي لم يكن ليفوز فيها لولا "البلوك الشيعي" في بعبدا وجبيل وكسروان و"البلوك الأرمني" في المتن.
والأكثر أهمية، بحسب المراقبين، ما يبدو من "تأزم عوني" مرده إلى سقوط رهانه على عوامل شاء القدر أن تجري رياحها بعكس ما يشتهي، لا سيما رهانه على أن التحالف مع المحور السوري الإيراني، عبر التفاهم مع "حزب الله"، كفيل بتنصيبه رئيساً للجمهورية كما راهن في السابق على أن تحالفه مع الرئيس العراقي صدام حسين سيعبد طريقه إلى قصر بعبدا.
ولكن، خاب ظن عون في السابق، وها هو يخيب اليوم، وهو يرى الرئيس السوري بشار الأسد في طور السقوط عاجلاً أو آجلاً، بما يعنيه ذلك من إنهيار لمحور أعطاه ما استطاع من تغطية مسيحية في لبنان، وعندما حان الوقت ليقبض الثمن، لا سيما مع نجاح الإنقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري وتأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، تبدلت الظروف، وبات هذا المحور عاجزاً عن الدفع.
ليس ما سبق ذكره سوى مقدمة لفهم ما يمارسه "التيار العوني" من هروب إلى الأمام، وإختباء خلف متاريس طائفية ومذهبية، يتبرأ منها مرة، ويسخرها في خدمته مرات ومرات، كما هو حاصل اليوم في محاولته الإستئثار بالحصة المسيحية كاملة في التعيينات، غير مكترث للآلية التي تنظم هذه العملية، ناهك عن واقع انه ليس الممثل الشرعي الأوحد للمسيحيين، بل هو طرف على الساحة أسوة بما يمثله الطرف المسيحي في قوى "14 آذار"، لا سيما "القوات اللبنانية" و"حزب الكتائب".
إذاً، يبدو عون وتياره في سباق مع الوقت لتحقيق مكاسب سياسية ومادية تعينهم على الإستمرار في المرحلة المقبلة، بدليل ما يخوضونه من "حروب إلغاء" ضد رئيس الجمهورية، وضد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وضد ما يسمونه بـ"الحريرية السياسية"، وضد حلفائهم في الحكومة الذين يتهمونهم بـ"الفساد"صبح مساء، في إشارة إلى الرئيس نبيه بري والنائب جنبلاط تحديداً، في وقت لم يعد خافياً على أحد، أن الفساد بات سمة من سمات غلاة "الإصلاح والتغيير"، بعد أن فاحت روائح فضائحهم في الوزارات التي يتولونها، بدءاً من التلاعب بلقمة عيش المواطنين في قضية تصحيح الأجور، مروراً بأزمة الكهرباء وفضيحة المازوت الأحمر، وصولاً إلى واقع الاتصالات الذي عاد 20 عاماً إلى الوراء بفعل الذهنية العونية القائمة على تصفية الحسابات والتشفي والكيدية.
في نظر أوساط سياسية واسعة الإطلاع :"ما يقوم به التيار العوني بلطجة ما بعدها بلطجة مردها إلى إفلاس سياسي وتخبط وإرتباك بإزاء المتغيرات الحاصلة، ولكن للأسف يقتدون بالبلطجية في زمن سقوطها، ما يعني أنهم ساقطون حتماً إذا ما استمروا على هذا المنوال، ولم يأخذوا بنصيحة رئيس الجمهورية بالكف عن "الآنا"، أو بنصيحة الوزير وائل أبو فاعور بالتواضع".
وكما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي :" المخجل ان هذه المجموعة المؤلّفة من عون ووزرائه تدعو الناس الى التظاهر ضدّ مجهول، إيغالا منها في الغوغائيّة والتحريض الشعبوي، وتهربا من المسؤوليّة الساطعة، عبر الاحتماء بضحاياها وتحويلهم الى متاريس".