إنه الأسلوب نفسه. الأداء العقيم ذاته. العقلية العفنة إياها. في كل مرة يُحشر فيها النائب ميشال عون ووزراؤه يلجأون الى افتعال معارك عونكيشوتية. هذة هي باختصار حقيقة ما جرى في مجلس الوزراء، وما أدى الى تعليق جلسات الحكومة غير المأسوف عليها.
فبعدما انفضح أمر الوزراء العونيين، من معركة الأجور الخاسرة التي خاضوها وانتهت بخسارة وزير العمل شربل نحّاس وتصويت مجلس الوزراء بعكس ما كان يشتهيه من خلال إقرار الاتفاق الذي تمّ بين أرباب العمل والعمّال، انتفض نحّاس على مجلس الوزراء ورفض توقيع مرسوم بدل النقل، في مخالفة دستورية واضحة، إذ ما على أي وزير إلا أن ينصاع لقرارات مجلس الوزراء أو الاستقالة.
وفي موازاة معارك نحّاس الفاشلة، كان وزير الاتصالات نقولا صحناوي يصرّ بدوره على معارك وهمية من خلال حجب داتا الاتصالات عن الأجهزة الأمنية في محاولة لعصب أعينها ومنعها من أداء واجباتها في الأمن الوقائي واستباق وقوع الجرائم، إضافة الى تحفه القيّمة في الترويج لاتصالات لم تعرف مرحلةً أسوأ من التي يشهدها اللبنانيون حالياً منذ انطلاق خدمة الخلوي في لبنان.
أما قمّة الإنجازات فتتمثل في وزارة الطاقة التي أتحفنا وزيرها جبران باسيل بإنارة لبنان 24 ساعة يومياً لدى استلامه الوزارة في العام 2009 ليتحوّل لبنان في مطلع سنة 2012 الى العتمة الكاملة وفواتير المولدات الى أرقام قياسية، إضافة الى روائح الصفقات المقززة المنبعثة من المازوت الأحمر وبواخر استجرار الطاقة ومقدمي الخدمات الكهربائية الـSP واستقدام الإيرانيين الى جرود البترون تحت ذريعة سدّ المياه… ولا تنتهي السلسلة.
ولم يقبل أن يشذ وزير الثقافة عن الأداء العونكيشوتي من خلال "كتاب التاريخ" والسعي لحذف "ثورة الأرز" منه، في مطلب لم يجرؤ حتى النظام البعثي في سوريا على طلبه!
كل هذه الفضائح أدّت الى نتيجة عملية تمثلت في نقمة شعبية عارمة، من اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم الحزبية والمذهبية، ما أدى الى ما يشبه الانتفاضات الشعبية ضد انقطاع الكهرباء والمازوت وغيرها!
هذا الواقع الذي أنتج تراجعاً دراماتيكياً في شعبية العونيين استلزم إعادة افتعال معارك عونكيشوتية تقليدية. وأولى ضحايا هذه المعارك كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من خلال افتعال معركة تحت عنوان أن حقوق المسيحيين مهدورة وأن التعيينات في المواقع المسيحية يجب أن يقرر فيها العونيون الذين لم يسألوا أنفسهم عن المعركة التي كانت مفترضة على سبيل المثال لاسترجاع مركز المدير العام للأمن العام الى المسيحيين. والسؤال هل معركة المواقع المسيحية هي موجهة حصراً الى المسؤولين من الطائفة السنية؟ ولماذا لم يشن عباقرة العونيين ووزراؤهم الأشاوس معركة سياسية في وجه "حزب الله" لاستعادة أهم مركز أمني في البلاد الى المسيحيين، وخصوصاً أن هذا المركز بقي في عهدتهم بعد الطائف؟!
المهم إذاً افتعال معركة وهمية مسيحية – سنيّة ليتاح للعونيين بعد ذلك نقلها الى مواجهة "تيار المستقبل" كالعادة، في محاولة مكشوفة لتحسين وضعية شعبية باتت مزرية بعد الأداء المافيوي للوزراء العونيين.
لقد سئم المسيحيون هذه المعارك المجانية والتي تؤدي حصراً الى تشنّج الأجواء وتسعير مناخات طائفية غير مجدية، وخصوصاً أن تحصيل حقوق المسيحيين لا ينجح عبر افتعال معارك، وخصوصاً حين يكون وزير العدل العضو في التكتل العوني هو من طرح الأسماء الثلاثة التي اختار منها ميقاتي واحداً.
كما أن الحرص على المسيحيين ومواقعهم لا يكون بالتعرّض اليوم لموقع رئيس الجمهورية وحقه الدستوري بالتوقيع على مراسيم التعيينات. فهل يحق لوزير كوزير العمل أن يمتنع عن توقيع مرسوم وافق عليه مجلس الوزراء ونحرم رئيس الجمهورية من الحق الأول في التوقيع أو رفض التوقيع على المراسيم؟
إن كل هذه المعارك العونكيشوتية لن تنفع في تعويم وضع العونيين الذين أثبتوا بالممارسة أنهم يفعلون عكس ما ينادون به، بعدما باتوا كمنادين بالإصلاح رمز الفساد في الجمهورية اللبنانية.