#adsense

“اللواء”: التفاهم السياسي أم تطبيق الصلاحيات الدستورية مصدر تفعيل الحكومة؟

حجم الخط

كتب حسن شلحة في صحيفة "اللواء": إنبرى خبراء الدستور خلال اليومين الماضيين للإدلاء بما عندهم حول دستورية ما أعلنه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي من تعليقه لجلسات مجلس الوزراء إثر المشادة بينه وبين وزيري تكتل التغيير والاصلاح جبران باسيل وشربل نحاس ومن معهما أثناء جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء الماضي على خلفية تعيين بعض الموظفين في مجلس التأديب التابع لرئيس الحكومة.

أجمع خبراء الدستور ممن أدلوا بدلوهم في قضية التعليق أو التجميد أنها غير دستورية، وأن الخيارات أمام رئيس الحكومة محدودة فهو إما يدعو لجلسات مجلس الوزراء ويحدد جدول أعمالها وهي صلاحيات دستورية مناطة به وإما الاستقالة، فلا يوجد في الدستور تعليق أو تجميد أعمال مجلس الوزراء ولا حتى إعتكاف.

ولكن مما لفت الانتباه أن الرئيس نجيب ميقاتي خلال الأشهر الماضية من عمر الحكومة أعلن أكثر من مرة أن هناك اعتداء على صلاحياته كرئيس لمجلس الوزراء، وأنه يرفض هذا الاعتداء الذي يقوم به البعض.

وما هو مستغرب أن رئيس الحكومة الذي يملك أكبر صلاحيات دستورية بعد اتفاق الطائف يشكو بعض الوزراء الذين يحاولون الاعتداء على صلاحيات رئيس الحكومة وهو يرفض ذلك ويرفض أن يفرِّط بصلاحيات رئيس الحكومة.

هذه الشكوى لفتت الانتباه بشدة لثلاثة أسباب:
الأول: أن الذي يشكو من الاعتداء على صلاحياته هو رئيس حكومة بعد اتفاق الطائف، الذي أناط به صلاحيات واسعة هي محط شكوى دائمة منذ بداية تنفيذ اتفاق الطائف عام 1989 وواسعة من كافة القيادات المارونية، وهذه الشكوى ما زالت قائمة لغاية اليوم من مسيحيي 8 آذار في العلن ومن مسيحيي 14 آذار همساً وفي الجلسات المغلقة. ومحور هذه الشكوى أن اتفاق الطائف «سلب» الصلاحيات من رئيس الجمهورية لحساب رئيس الحكومة المسلم السنّي. وبناء على ذلك ما زال ميشال عون يشن الحملات المتتالية والتي لم تتوقف منذ أكثر من خمس سنوات ومحورها الهيمنة «السنّية» القائمة على الوزارات والإدارات العامة عبر صلاحيات رئيس الحكومة، وينظم «مناحات» يومية يندب فيها ضعف موقع رئاسة الجمهورية، بحجة ان الطائف نزع الصلاحيات منه، وانه لن يسكت عن ذلك ويطالب بتعديل الطائف من اجل اعادة الصلاحيات لرئاسة الجمهورية.

الجميع كشف ألاعيب عون من مسلمين ومسيحيين فهو استغل وضع الصلاحيات في مجلس الوزراء مجتمعاً ويحاول تحريك المشاعر الطائفية من اجل كسب شعبية في الشارع المسيحي، فهو يدرك انه ليس لديه القدرة على تعديل الطائف، فقضية تعديل الدستور ستفتح «شهية» الطلبات لدى الطوائف الاخرى، ولا احد يستطيع فتح هذا الباب..

الثاني: ان الشكوى مصدرها إزعاج بعض وزراء «الصدفة» لرئيس الحكومة بعد الطائف، فرئيس الحكومة بما لديه من صلاحيات بالتعاون والتفاهم مع رئيس الجمهورية يمكنه ان يضع حداً لألاعيب اي وزير صغير ام كبير، فالشكوى امام وسائل الاعلام تمنح الآخرين «التعنت» و«الغرور» والاصرار على مناكفة رئيس الحكومة، ولا تعطي رئيس مجلس الوزراء القوة، فالجماهير لن تنظم التظاهرات الشعبية وتزحف الى السراي الحومي لتمنح شاغلها القوة في مواجهة الوزراء الصغار (مهما تكن الجهة التي تقف وراءهم).

فرئيس مجلس النواب، استطاع ان «يقفل» مجلس النواب لمدة سنة ونصف إبان الاختلاف حول المحكمة الدولية ولم يلجأ للشكوى امام وسائل الاعلام متذرعاً بالمصلحة العامة، ولم يدع الهيئة العامة لمجلس النواب لأكثر من سنة ونصف، من اجل عدم السماح لمجلس النواب (الذي لا يملك فيه بري الاكثرية) مناقشة واقرار الاتفاقية مع الامم المتحدة بخصوص بروتوكول انشاء المحكمة الدولية الخاصة بقضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

وكذلك فعل الرئيس فؤاد السنيورة بعد استقالة الوزراء الشيعة بعد الاختلاف على المحكمة الدولية، صمد في السراي الحكومي لمدة تزيد عن العام محاصراً ومهدداً لم يستقل ولم يعتكف ولم يجب جلسات مجلس الوزراء (رغم قساوة مقاطعة الوزراء الشيعة لمجلس الوزراء..).

كما ان الجميع ما زال يذكر اعتكاف رئيس الحكومة رشيد كرامي لمدة ستة اشهر ابان عهد الرئيس سليمان فرنجية، وذلك قبل اتفاق الطائف حيث كان رئيس الجمهورية يملك كامل الصلاحيات المطلقة، واستمر مجلس الوزراء معطلاً لمدة ستة اشهر بسبب اعتكاف الرئيس كرامي المختلف وقتها مع رئيس الجمهورية.

الثالث: كان الاجدر بالرئيس ميقاتي ان يتغلب على الظروف والعوامل التي أتت به ضعيفاً إلى رئاسة الحكومة، فالتحالفات التي جعلته على رأس الحكومة هي «مكمن» ضعفه، فالتحالف هو الذي نفذ الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري وجيئ بميقاتي رئيساً لإدراكهم انه لا يستطيع ان يرفض هذا الموقع، فهو كان الاجدر به خلال المرحلة الماضية ان ينسج «سياسيا» عناصر قوة له بإنشاء تحالفات تمنحه القوة وخاصة مع الرئيس ميشال سليمان والرئيس نبيه بري، وبما انه لم يسلك هذا النهج السياسي ليعوّض عناصر ضعفه وجدناه لجأ إلى الشكوى امام وسائل الاعلام والى تجميد جلسات مجلس الوزراء.

على العموم سيلعب الاقوياء لعبتهم، وفي مقدمهم الرئيس نبيه بري حيث سيقوم بدور الوساطة بين ميقاتي وعون ووزرائه هذا رغم ما بين بري وعون من جفاء وبعد يفوق ما بين ميقاتي وعون، وسنرى الايام المقبلة تحرك وساطة من الرئيس بري الذي يملك عناصر القدرة السياسية اكثر مما يملك من صلاحيات دستورية، فالقضية سياسية اولاً وآخراً..

المصدر:
اللواء

خبر عاجل