كتب حسين زلغوط في صحيفة "السفير": لم يكن الشعب اللبناني ينتظر وقوع اشتباك سياسي بين هذا الفريق وذاك داخل الحكومة حتى يتنبّه الى وجود أزمة ثقة تحكم مكوّنات هذه الحكومة، فهناك الكثير من الإشارات والمعطيات التي ظهرت في أكثر من محطة أظهرت وكأن الانسجام المطلوب داخل هذه الحكومة خصوصاً في هذا الظرف بات شبه مفقوداً، مع أن المرحلة التي جاءت بهذه الحكومة وما يُحيط بها من استحقاقات مهمة واستثنائية تفرض عليها أن تحافظ على تضامنها لما يشكّل ذلك من قوة دفع لإطلاق عجلتها الانتاجية، خصوصاً وأن ملفات متراكمة لم يعد من الجائز عدم مقاربتها بفعل تأثيرها على المسار العام للدولة والمواطنين على حد سواء.
ورُبّ ضارة نافعة بالنسبة لما حصل في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، حيث يفترض على أولياء الشأن الاستفادة مما حصل والانكباب على مراجعة الحسابات وتوظيف نتائج ما يتوصلون إليه في سبيل تفعيل العمل الحكومي في ظل ما يحيط بلبنان من تطورات خطيرة من الممكن أن يكون لها تداعيات خطيرة عليه. ولذلك فإن الآفاق المسدودة بالمعطى السياسي نتيجة الموقف الذي اتخذه رئيس الحكومة حول جلسات مجلس الوزراء وانقطاع سبل التواصل بينه وبين مكوّن من مكوّنات الحكومة بات يقتضي مبادرة تاريخية تنقذ الموقف، سيّما وأن انفجار جلسة مجلس الوزراء كان سبقها ورافقها وأعقبها مواقف من أكثر من قيادي سياسي وروحي أشارت إلى وجود مناخات غير صحية تسيطر على المشهد السياسي اللبناني، فالبطريرك الماروني بشارك بطرس الراعي تحدث عن شلل داخلي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري أكد على ضرورة العمل لإنقاذ البلد، وكذلك كان موقف النائب وليد جنبلاط. هذه المواقف تقتضي القيام بتحرك عاجل على المستويين الداخلي والإقليمي.
على المستوى الداخلي تقول مصادر سياسية في ظل عجز رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في إعادة أقطاب الحوار للجلوس على الطاولة وتحوّله إلى خصم لبعض هذه القيادات، هناك اتجاه لأن يبادر البطريرك الراعي في موازاة فتحه لأبواب الحوار مع «حزب الله» إلى الدعوة إلى قمة مركبة روحية وسياسية بحضوره ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني ونائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، وشيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ نعيم حسن، إلى جانب رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة وقيادات الصف الأول ممن شارك في اجتماعات طاولة الحوار في مجلس النواب ومن ثم في قصر بعبدا، ومن المستحسن لا بل من المفيد أيضاً خرق الجدار السياسي المأزوم من خلال دعوة الرئيس سعد الحريري أو من يسميه للإنابة عنه للمشاركة في هذه القمة، ويطلق من خلال هذه القمة وثيقة تحت عنوان «الأمان والسلام للبنان»، في ظل هذا الحريق الهائل الذي يلتهم المنطقة.
أما على المستوى الإقليمي فإن الرئيس نبيه بري من موقعه الوطني وما يتمتع به من قبول لدى جميع الأطراف التي تعترف له بالبراعة في إطفاء الحرائق الداخلية والحفاظ قدر الإمكان على صلة الوصل بين الأطراف كافة في أحلك الظروف وأشدها قساوة، فإنه من المهم، في تقدير المصادر، أن يبادر إلى زيارة المملكة العربية السعودية، ويليها إيران، وبعد ذلك تركيا من منطلق حرصه على الوحدة الاسلامية للبحث مع قيادات هذه الدول في الأطر والصيغ التي تجنّب لبنان حريق المنطقة الذي بدأ يأخذ بُعده الطائفي والمذهبي، وهو لعب هذا الدور في السنوات الماضية حيث ساهم في إفلات لبنان من شباك الفتنة المذهبية الذي نُصب له من أكثر من فريق دولي وإقليمي.
وتضيف المصادر أنه إلى جانب هذا الدور للرئيس بري والبطريرك الراعي، فإن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي يبرع في ربط الجسور مع الأصدقاء والأخصام من الممكن أن يقوم بحراك داخلي يلغي إمكانية الوصول إلى حالة من الجمود السياسي.
صحيح أن الأنظار تتجه إلى مقر الرئاسة الثانية في عين التينة لمشاهدة كاسحة الألغام السياسية وهو يقودها رئيس المجلس باتجاه إعادة الوضع السياسي إلى مناخاته الطبيعية، وقد بادر أكثر من مسؤول للتواصل مع الرئيس بري لحثّه على القيام بهذه الخطوة، غير أن رئيس المجلس الذي يُعرف عنه بأنه لا يتهرّب من أية مسؤولية وطنية، كان يردد في أكثر من مناسبة بأن اليد الواحدة لا تصفّق، وأن المطلوب تكاتف الجميع للوصول إلى الهدف المطلوب، كما أنه من المعلوم بأن أي تحرك لإطلاق عجلة حوار أو للعمل على تهدئة ما لا يمكن أن يتم في ظل التراشق الناري بل إن ذلك يتطلب أن يسبقه إتفاق على وقف النار ينصرف بعدها سعاة الخير في مساعيهم التوافقية.
وأمام هذه الوقائع فإن الرئيس بري يرصد ما آل إليه الوضع، ويعمل على إعداد خطة محكمة قبل الولوج في طرق أبواب التشاور والحوار، لإدراكه بأن أي خطوة ناقصة سيكون لها مردوداً سلبياً.
وحيال ذلك فإنه من الممكن أن تكون عطلة نهاية الأسبوع فرصة لرسم مشهد التحرك القادم، مع التوسل الى الله في نجاح المساعي في رأب الصدع لما فيه خير تحصين الساحة الداخلية قبل أن تلفح بلدنا رياح عاتية لا قدرة له على مواجهتها، وبالتالي لا تنفع ساعة مندم.