#dfp #adsense

الأحجية الروسية!

حجم الخط

إذا صحّت التوقّعات القائلة إنّ روسيا ستوافق اليوم على مشروع قرار مجلس الأمن الخاص بسوريا، فإنّ ذلك سيعني أنّ شيئاً من منطق الأمور المنكسر قد عاد ليصطلح.
وفي المعلن والمقروء نحكي. حيث تبقى الهوامش المتصلة بالمخفيّ والمستور ملك أصحابها البعيدين والقريبين. وفي ذلك أنّ موقف موسكو من قصّة الوضع السوري من أوّله إلى آخره، احتوى على كل شيء إلاّ على منطق الدولة المقتدرة التي كانت ذات شأن عظيم في ماضٍ قريب.

.. موقف احتوى على كل ما له علاقة بالشأن الراهن، الخاص بمصالح روسيا في أيّام وشهور، ولكن ليس بالشأن التاريخي أو البعيد المدى. وكأنّ ضرباً من ضروب المراهقة السياسية عصف برؤوس أهل الحسابات الباردة في موسكو، فافترضوا أنّ الالتصاق التام بسلطة بشار الأسد يعوّض الالتصاق بشعب سوريا أوّلاً وبالعالم العربي وأهله ودوله ثانياً، وبالاتحاد الأوروبي ثالثاً وبالعلاقات بتركيا رابعاً وبالعلاقات بالولايات المتحدة خامساً وليس آخِراً.
وافترضوا بعد ذلك، أنّ ما بُني على مدى عقود مع سوريا سينتهي بانتهاء سلطة الأسد وكأنّ التماهي تام بين الشخص والدولة! ثمّ افترضوا أنّ تلك السلطة قادرة على البقاء عائمة وسط بُحيرة دماء، وأنها يمكن أن تصل إلى شاطئ الأمان بعد ذلك!

ولكثيرين أن يضربوا في الرمل لتفسير ماذا يعني كل ذلك. وكيف يمكن لمصالح دولة عظمى أن تكون أسيرة سلطة خارجية فردية أياّ كانت مكامن قوّتها ومظاهرها.. وكيف قبل ذلك ذهبت تلك "الرؤية" إلى حدّ عدم الانتباه إلى أنّ عامل الوقت يلعب ضدّ سلطة الأسد وليس لمصلحتها، وأنّ "الحسم العسكري" يوازي الوهم الخاص، وإنّ ذلك المصطلح صار من المستحيل أن يُكتب في البيان السوري المشتعل، وإنّ البناء القائم على رمل يهرّ بلمح البصر، وإنّ تلك السلطة المتمترسة في قلب دمشق بالكاد لا تزال قادرة على حماية ما تبقى لها من رمل وأكياس رمل، فكيف يمكنها إسناد مطالب دولة كبرى في أمور استراتيجية عالمية الأبعاد تبدأ بالصواريخ الأميركية في أوروبا القديمة وتركيا، ولا تنتهي بشؤون التجارة والمال والغاز، ولا بشؤون المحافظة على الكيان الروسي نفسه من "مخاطر أصولية" تتهدّده من الداخل!

في الحسابات وفوائدها وكسورها وشطورها، صار الحكي العربي اليوم عن روسيا.. انتهى الزمن الذي كانت فيه تلك الحسابات جزءاً متمّماً ليس إلاّ، لصداقة سياسية ثقافية خطيرة في أعماقها وأبعادها وتنوّعها وغناها.. صداقة تفيد طرفيها، وتُبقي ميزان القوّة في المنطقة والعالم معتدلاً في حدود معقولة، وبدأ زمن آخر، أوّله وأخطره مواقف عدائية تجاه موسكو تتراكم في الوجدان العربي عموماً والسوري خصوصاً، بعد أن كان ذلك "المشوار" قد بدأ في ليبيا عشية سقوط القذافي!

.. كانت روسيا شريكة العرب في الدم، والولايات المتحدة شريكتهم في النفط.. اليوم انقلبت الآية أيّما انقلاب، إلى حدّ أنّ شعب سوريا بعد شعب ليبيا، صار يعتبر روسيا شريكاً في قتله، فيما الولايات المتحدة منقذه المفترض.

قِصَرُ نظر؟ أم استعادة لعادات ديكتاتوريين عرب، كانوا عشيّة سقوطهم، حسدوا ستالين على طريقة موته؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل