تداعيات العقوبات الاقتصادية على إيران

في سياق تطبيق استراتيجية الخنق للاقتصاد الإيراني، قالت الولايات المتحدة إن الحظر الذي فرضه الاتحاد الأوروبي على صادرات النفط الإيرانية إضافة إلى عدد من العقوبات، هو "خطوة قوية جديدة" لزيادة الضغوط على إيران للحدِّ من تطلعاتها النووية. وقالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ووزير الخزانة تيموثي غايتنر إن هذه الخطوات "تنسجم مع الخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة سابقا والعقوبات الأميركية الجديدة المفروضة على إيران" والتي أقرت في قانون في 31 ديسمبر2011. والأميركيون شأن الأوروبيين لا يتسترون على قلقهم ازاء ملف ايران النووي. وكان تقرير وكالة الطاقة الذرية الدولية الأخير حسم التكهنات حول طابع البرنامج النووي الإيراني، وقطع الشك باليقين: البرنامج ذو غايات عسكرية. لذا، قررت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي فرض حظر نفطي على إيران، وهو إجراء يعد سابقة.
هل بإمكان أن تكون لهذه العقوبات الدولية تداعيات خطيرة على الاقتصاد الإيراني؟

الخبراء الدوليون يجزمون بنعم، لأن إيران هي خامس أكبر مصدر للنفط في العالم، بحوالي 2.5مليون برميل في اليوم. ودول الاتحاد الأوروبي، مع كوريا الجنوبية، واليابان، وهي دول حليفة للولايات المتحدة الأميركية، تستورد مجتمعة 40 في المئة من الصادرات النفطية الإيرانية. وكانت اليابان خضعت للضغط الأميركي، إذ أعلنت يوم 12 كانون الثاني الماضي التزامها بتخفيض وارداتها من النفط الخام الإيراني ( أي ما يعادل 10 في المئة من حاجياتها). ويبلغ حجم واردات كوريا الجنوبية من النفط الإيراني الخام نحو 10 في المئة من مجمل ما تستورده البلاد.

أما الهند، وهي ثاني أكبر مشتر للنفط الخام الإيراني بعد الصين، إذ تستورد ما بين 350 ألفاً و 400 ألف برميل يوميا بما قيمته 12 مليار دولار سنويا، فقد أبلغت الحكومة الهندية شركات التكرير خفض واردات النفط الإيراني، والبحث عن بدائل، ذلك أن نيودلهي قد لا تسعى إلى الحصول على استثناء من العقوبات الأميركية الجديدة على مشتريات النفط الإيراني بعد الصين. فقد قال وكيل وزير الخارجية الهندية رانجان ماثاي:"وافقنا على العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة.غيرها من العقوبات لا تسري على كل دولة على حدة.نواصل شراء النفط الإيراني".

في الأعوام الماضية اتجهت إيران نحو آسيا لخفض اعتمادها على الأسواق الأوروبية التي أصبحت تشكل 18في المئة من صادراتها النفطية. وأبدت الصين، الشريكة الاقتصادية الرئيسة لإيران معارضتها لفرض"عقوبات أحادية" ضدها. وأصبحت الصين أول شريك تجاري لإيران، إذ يصل التبادل التجاري بين البلدين نحو 30 مليار دولار في مقابل 400 مليون دولار قبل 15سنة. وكان رئيس الوزراء الصيني ون جياباو قام في الفترة الاخيرة بجولة خليجية شملت المملكة العربية السعودية وقطر، والإمارات العربية المتحدة، على خلفية التوترات الدولية المرتبطة بالملف النووي الإيراني، والتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز. فالصين التي تستورد 22 في المئة من النفط الإيراني، تريد أن تؤمن احتياجاتها من خارج الزبون الإيراني،إذ أصبحت الصين الزبون الأول للنفط السعودي وشريكاً من المصاف الأول في مجال الصناعات البتروكيميائية. ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والمملكة العربية السعودية، بين مطلع 2010 وأواخر تشرين الثاني 2011، 58.1 مليار دولار.

في زيارته الدول النفطية الخليجية، عارض ون جياباو مقاطعة النفط الإيراني، لكن الزيارة تشير إلى أن الصين تبتعد عن إيران، وتتخذ مسافة منها. فهي تخشى الاضطراب في الجمهورية الإسلامية، ويثير قلقها ما حصل في ثلاث دول ربطتها بها علاقات وثيقة: اليمن وليبيا وسوريا. وإذا أُحكِم طوق الحظر على النفط الإيراني، بقيت بكين زبون طهران اليتيم. ووسعها تالياً تحديد سعر برميل النفط الايراني وفرض ضغوط اقتصادية على طهران. والصين تعوّل على النفط الشرق الأوسطي، واستقرار المنطقة يصب في مصلحتها.

إن هشاشة الاقتصاد الإيراني في مواجهة الإسقاطات المدمرة للعقوبات يكشفها الواقع، إذ تشكل العائدات النفطية 80 في المئة من العملة الصعبة لإيران، أي ما يقارب 100 مليار دولار للسنة الإيرانية الجارية (من آذار/مارس 2010 إلى آذار/مارس2011)، و60 في المئة من ميزانية الدولة الإيرانية. واحتسبت الميزانية الإيرانية على أساس سعر الدولار10500 ريال، بينما يباع الدولار بنحو 14000ريال حسب السعر الرسمي للدولة، لكن الدولار يباع في السوق السوداء بنحو 17800 ريال. وكذا فقد الريال من قيمته بنحو 30 في المئة أمام الدولار، بصرف النظر عن تدخل البنك المركزي الإيراني.


مع حرمان إيران من التكنولوجيا وقطع الغيار للمعدات المتواجدة لديها، أصبح ثاني أكبر بلد منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للبترول (الأوبك) مستورداً للمنتجات البترولية المكررة. فقد تدهورت الظروف في صناعة النفط الإيرانية إلى الحد الذي اضطر الحكومة إلى تقنين توزيع البنزين، لأن إيران تستورد 40 في المئة من احتياجاتها من البنزين من الخارج. وتستهلك إيران نصف مليون برميل من المواد النفطية يوميا، منها 60 في المئة منتجة محليا، و40 في المئة مستوردة، وبتكلفة تتراوح ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار.

إذا كان في مقدور إيران أن تتحدى المجموعة الدولية ببرنامجها النووي، والتظاهر بالاستخفاف بالعقوبات الجديدة، فإن القادة الايرانيين وكنتيجة لقوة الصدم للحظر النفطي، لجأوا إلى رفع التحدي بتهديد إغلاق مضيق هرمز، لا سيما بعد زيادة وتيرة تسليم الولايات المتحدة الأميركية الأسلحة المتطورة إلى بعض دول الخليج العربي. ولاتزال السلطات الإيرانية مهتمة بتداعيات العقوبات الاقتصادية التي تزيد في تعميق عزلة إيران الدولية.لأول وهلة، إيران التي تمتلك ثاني احتياط عالمي من النفط والغاز، لا يجوز لها أن تكون سريعة الانكسار، ولكن إيران هي عملاق وأرجله موحلة في الطين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل