بدا استغراب رئيس مجلس النواب نبيه بري "أن يفعل أهل الحكومة ما يفعلونه بها" ليس منسجماً تماماً مع واقع يقول إنه لو قُدر لـ"أهل الحكومة" أن يفعلوا بها أكثر ما كانوا قصروا، ما دام "الفِعل" بالحكومة يُعوض ما يفعلونه بالشعب الذي ما انفكوا منذ تأليف "حكومة التناقضات" يتلاعبون بلقمة عيشه وبأمنه وبمستقبله، كرمى لحساباتهم السياسية، مصالحهم الشخصية، وارتباطاتهم الخارجية.
اللافت اليوم، أن أحداً من الغيارى على الحكومة لم يستنفر لإصلاح ذات البين، بين رئيسها نجيب ميقاتي وجنرالها النائب ميشال عون، بل على العكس، يبدون "سعيدين" بما حل بها من "مصيبة" يريدون استثمارها في "النأي بالنفس" عن مصائب أخرى تنتظر الحكومة، وفي المقابل يريدون استثمار أزمة تبدو "مفتعلة" في جوانب منها من أجل شد العصب الشعبي لكل منهم، طائفياً وسياسياً، بما يؤكد أن مصائب الحكومة عند الحكومة فوائد"!
النائب وليد جنبلاط ينأى بنفسه عن رأب الصدع، فيما تبدو "همة" الرئيس بري ثقيلة في التحرك على خط المعالجة بخلاف عادته عند أي اهتزاز. أما "حزب الله"، وهنا بيت القصيد، فليس من عادته التدخل أو التلهي بـ"نكايات صغيرة" لا ترتقي إلى مهامه المقاومة والممانعة، أو بكلام آخر، لماذا يتدخل بعد أن أوصل رسالته إلى الجميع، كي لا يقال أوامره، بأن إسقاط هذه الحكومة، في هذه المرحلة، خطٌ أحمر، وتحت هذا السقف، تلهوا ما شئتم، وحققوا ما استطعتم من مكاسب بالتوافق، بـ"السلبطة"، بإفتعال الأزمات، لا يهم، المهم أن تبقى الحكومة حية ترزق، ولا تعود ما يسمونها بـ"الحريرية" إلى السلطة.
إذاً، وفق "خط أحمر" يرسمه "حزب الله" بعناية وإتقان، ورغم ما يُحيط بالأزمة الحكومية من "سقوف عالية"، لا يبدو أن "أهل الحكومة" في وارد تفجيرها، وفي مقدمهم المعنيون بالأزمة، أي ميقاتي وعون.
من هنا، يتضح لماذا لم يقلب ميقاتي الطاولة انتقاماً لصلاحيات رئيس الحكومة التي مل اللبنانيون من بُكائه عليها، بل اكتفى بتسجيل موقف حدد فيه طبيعة مرحلة ما بعد الهزة الحكومية بـ"لا اعتكاف ولا استقالة"، وهو ما مفاده أنه "لولا حساسية الوضع المحلي والإقليمي لكنت استقلت، لأن الكيل طفح"، وكأنه يقول إنني ملتزم "الخط الأحمر" الذي رسمه "حزب الله" الذي سبق وأن هدده أمينه العام السيد حسن نصر الله، بأنه "إذا استقال، فالبلد كله سيستقيل"، في أبلغ تهديد على أن "حزب الله" في صدد استباحة البلد من جديد، إذا ما سقطت الحكومة التي يستخدمها كـ"غطاء" لتثمير انقلابه.
بهذا المعنى، يُسخر ميقاتي الأزمة في محاولة لـ"تلميع صورته" وتعويم وضعه سنياً، في وقت لم يبادر "التيار الوطني الحر" إلى رفع السقف أكثر، بل اكتفى أيضاً باستثمار الأزمة مسيحياً تحت عنوان "استعادة التوازن المسيحي" ورفض عدم التشاور معهم، لاسيما إذا كان التعيين سيُسمّي شخصيات مسيحية.
وأتت زيارة الوزير جبران باسيل إلى بكركي في سياق "التقريش العوني" لما حصل مسيحياً، بدليل تصريحه أنه أطلع البطريرك الراعي، كما صرح، على "حقيقة ما حصل (..) فقد فرض رئيس الحكومة علينا بدعة دستورية، وخيّرنا بين الانتقاص من صلاحياتنا او تعليق عمل مجلس الوزراء. ونحن مؤتمنون مضموناً على حقوق الناس الذين نمثلهم وشكلاً وعلى الحفاظ على كرامتهم".
إذاً، التشكيك سيد الموقف بحقيقة الأزمة، فهي تبدو "مفتعلة" بغية تبادل الخدمات بين "أهل الحكومة" من خلال "اللكمات". ميقاتي يلمع صورته، وعون يستثير المسيحيين، وبري و"حزب الله" في موقع المتفرج طالما أن إمتيازاتهما على اختلافها بـ"الحفظ والصون"، وطالما أنهم مطمئنون أنه في النهاية ستعود حكومة التناقضات إلى الطاولة من أجل تثمير نتائح الإنقلاب الذي تم بقوة سلاح "حزب الله".
ترى أوساط سياسية "أن هذا ما يريده "حزب الله". يريد "تعطيل الحكومة" في سياق مواجهة الاستحقاقات الدولية بـ"لا حكومة"، لا سيما ما هو مرتبط بالوضع السوري، أو بالتجديد لبروتوكول المحكمة الدولية".
بهذا المعنى، يبدو الهدف واضحاً، ازمة حكومية ظاهرها تعيينات، وباطنها هروب من مسؤوليات كثيرة، طالما أن أزمة من هذا النوع لا تدينهم بقدر ما تعينهم على تجاوز هذه المسؤوليات الداخلية والخارجية، لكن خطورتها أن تشرع الساحة اللبنانية على احتمالات خطيرة ربطاً بالتطورات السورية المتسارعة، وبما يريده نظام بشار الأسد من لبنان.