#adsense

وداعاً نسيب لحود

حجم الخط

 

ودع لبنان والمتن وبعبدات رئيس حركة التجدد الديموقراطي الوزير والنائب السابق نسيب سليم لحود بمأتم مهيب، في كاتدرائية مار جرجس المارونية – وسط بيروت.

ترأس الصلاة الجنائزية لراحة نفسه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وعاونه الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، والمطارنة بولس مطر، طانيوس الخوري ورولان ابو جودة، السفير البابوي غابريال كاتشيا، رؤساء الطوائف وممثلو الكنائس في لبنان ولفيف من الكهنة.

وحضر الجنازة رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي ممثلا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، النائب عبد اللطيف الزين ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، الرئيس فؤاد السنيورة، رئيس حزب الكتائب امين الجميل، الرئيس حسين الحسيني ، نادر الحريري ممثلا الرئيس سعد الحريري، نائب رئيس مجلس النواب النائب فريد مكاري، رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط، عضوي كتلة "القوات" انطوان زهرا وفريد حبيب، وحشد وزاري ونيابي ودبلوماسي وقضائي وعسكري وحزبي كبير.

بعد تلاوة الانجيل المقدس من قبل المطران الياس عوده، القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "ان علمتم هذا، وعملتم به، فطوبى لكم".
واشار الى ان الراحل "علم قيمة لبنان وعيشه الواحد بتنوع مكوناته الثقافية والدينية، وريادته في تعزيز الحريات العامة وحقوق الانسان ونشر الحداثة. وعلم ان السياسة فن شريف لتنظيم حياة الدولة بهدف تأمين الخير العاموإنماء الشخص البشري وترقي المجتمع. وراح يؤهب نفسه لها بثقافة سياسية عميقة على مناقبية وأخلاقية رفيعة، وبدأ العمل بنشاط ديبلوماسي، عندما عينه المغفور له المرحوم الرئيس الياس الهراوي سفيرا للبنان في واشنطن سنة 1990، فبرزت عليه منذ ذاك الحين ملامح رجل دولة، ثم عين نائبا في البرلمان اللبناني في السنة التالية، ومن بعدها انتخب نائبا على ثلاث دورات، فتفرغ للعمل النيابي على مدى خمس عشرة سنة، وأعطاه من قلبه في مختلف اللجان النيابية وفي دورات المجلس النيابي. لقد كان مجليا حتى شكل في الحياة السياسية اللبنانية علامة فارقة وقيمة مضافة اتسعت الى البعدين الاقليمي والدولي. والكل بفضل منطقه واخلاقيته وعمق فهمه وصوابية تحليله وغنى ديبلوماسيته، وشجاعته النبيلة في الدفاع عن الحق والعدل، وفي شجب الفساد واستغلال السلطة، وفي المحافظة على نص الدستور وروحه. وهذا كله ظهر من خلال نشاطه في كل من لقاءي قرنة شهوان والبريستول وثورة الارز".

أضاف الراعي: "علم نسيب لحود قيمة الديموقراطية القائمة على القيم الاخلاقية والمنهجية العلمية، وعمل من اجل نشر ثقافتها، فأسس مع زملاء له "حركة التجدد الديموقراطي"، من اجل تحصين سيادة لبنان واستقلاله، وترسيخ دور هذا الوطن في العالم العربي، والدفاع عن الحريات، وتطوير الحياة الديموقراطية في لبنان، وبناء اقتصاد وطني منفتح على العالم، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء مواطنة جامعة، يكون فيها اللبناني مواطنا في الدولة ولها، لا في طائفته، وسعى عبر هذه "الحركة" الى خلق ثقافة سياسية هي ثقافة خدمة الشأن العام، وإعداد نخبة اخلاقية تخضع بحرية للصالح العام. وقد أعطى مثالا يحتذى به، عندما قطع كل اعماله الخاصة واعمال شركته في لبنان، لكي لا يأتي عمله السياسي متأثرا او مرتبطا بمصالحه الشخصية. يا لها من أمثولة في النزاهة والنبل السياسي".

وتابع: "علم ان الديموقراطية تؤمن بالثقافة والكفاءة والاختصاص لدى العاملين في الادارة العامة المتصفين بالتقنية الادارية. ولذلك كان يشجب تدخل رجال السياسة في التقنيات الادارية، ويصبو الى تشريعات تحرمها، من اجل تحقيق استقلالية الادارة، وتعزيز حرية حركتها الواسعة، وجعلها في خدمة المواطنين بروح الاخلاص والتفاني. واخيرا علم نسيب لحود ان العلم والعمل ينضجان بالتضحيات والمحن، ويكتملان بذروة الالم الحسي، وقد رافقه طيلة ثلاث سنوات ونصف. لكن المرض العضال الذي فتك به أصاب بالصميم كل عارفيه، وجميعهم صلوا من اجل شفائه ونحن منهم. وبتأثر عميق رأيناه يجهد نفسه منذ اكثر من شهرين ليزورنا في الكرسي البطريركي لاول مرة بعد انتخابي بطريركا، وكأنه أرادها في آن زيارة تهنئة ووداع، فكانت كذلك".

وقال: "فيا ايها العزيز نسيب، كنت مثالا وقدوة في كل شيء، عبر مراحل حياتك ونشاطاتك، وكما في كل ما قلت وفعلت. لقد علمت في حياتك السياسية ان لبنان هو السيد، فعملت كخادم أمين له. وعلمت ان لبنان أرسلك، فعملت كرسول له مخلص وحكيم. فأنعم بالطوبى السماوية التي يعدك بها سيدك السماوي يسوع المسيح في انجيل اليوم:"طوبى لك لانك علمت هذا وعملت به".

ثم وضع الرئيس ميقاتي على نعش الفقيد باسم رئيس الجمهورية وسام الارز برتبة ضابط اكبر وقال: "ايها الصديق الغالي تقديرا لعطاءاتك من اجل لبنان قرر فخامة رئيس الجمهورية منحك وسام الارز الوطني برتبه ضابط واسمح لي يا ايها العزيز نسيب قبل ان أضع الوسام على نعشك ان أنحني إجلالا وإكبارا لرجل عرفته مثالا للقيم الوطنية والاخلاق العالية".

والقيت خارج الكنيسة كلمات لاصدقاء نسيب لحود. ونوه الوزير السابق غسان سلامة في كلمته بمزايا الراحل وقال: "كان نسيب صادقا مع الناس، ان خوطب صدق، ان قال عنه ان هو حب وفى واذ تعهد نفذ، كان موقفه المعلن هو رأيه المضمر، وفي كل مقام كان له نفس المقال وكان رأيه واضحا، صريحا وشفافا، فان عجز الاخرون عن سماعه كان الصمت ملجأه وكانت نظرة واحدة منه تردع المخادعين والمتملقين.
وختم سلامة معزيا "اللبنانيين عامة برحيلك، لبنان فقد فيك رجلا عشق وطنه كما نذر وعمل في سبيله دون كلل متجاوزا عثرات العمر متناسيا خيبات الزمن متعاميا عن قلة الانصاف وكان لم ينظر يوما لتلك المناصب كمراتب تشريف بل كأدوات للعمل والخدمة".

والقى النائب السابق كميل زيادة كلمة حركة التجدد، فاكد ان "الرجل الكبير الذي نلتقي لوداعه اليوم، والذي ادمنت على صداقته منذ اكثر من نصف قرن، ليس زعيما سياسيا، ولا قائدا ملهما، ولا نصف اله، ولا نصف قديس فهؤلاء يعدون بالعشرات في بلاد الارز، لا بل بالمئات. نسيب لحود من طينة اخرى. نسيب ببساطة كان صاحب مدرسة، هي مدرسة المبادىء والمعايير والمناقب والأخلاق السياسية".
وشدد على ان "الغاية الاسمى عند نسيب كانت ترسيخ اسس ومبادىء واخلاقيات السياسة السليمة.اما السياسة بمعناها الضيق والمتعارف عليها في لبنان، اي الانخراط المباشر في الصراع على السلطة، فكانت بالنسبة اليه مجرد وسيلة، مجرد مجال لتطبيق تلك القواعد والمبادىء وحقل اختبار لتلك القيم والاخلاق. بهذا المعنى كان نسيب مهتما بترسيخ قواعد ومبادىء اللعبة الديموقراطية اكثر من اهتمامه بأن يكون هو نفسه لاعبا".
واكد ان هذا لا يعني ان نسيب كان يستخف بالسياسة، بل كان من اشد المواظبين على العمل السياسي، لكنه، كما عهدتموه، كان ينكفئ طوعا ومن دون اي تردد، عندما كان يلحظ انها هزلت، وانها تكاد تتحول الى مجرد لعبة تناتش على المواقع والحصص والمكاسب، بعيدا عن جوهر السياسة واهدافها النبيلة الراقية".
واضاف "لمن يسأل اليوم عن مستقبل حركة التجدد بعد رحيل نسيب لحود، سواء من موقع الحرص او من التشكيك، نجيب: ان ثمة تصميم قاطع لدى اعضاء حركة التجدد على استكمال بنائها والتشبث بدورها الذي نؤمن انه دور طليعي في معركة بناء الثقافة الديموقراطية وترسيخ قواعد الممارسة الديموقراطية، التي كرس نسيب لحود حياته السياسية من اجلها.اذ لا ديموقراطية حقيقية من دون ديموقراطيين".

وتابع: "نسيب لحود ونحن في حركة التجدد لم نكن يوما ابدا وحدنا في هذه المعركة. ان جميع المتحلقين هنا حول نسيب لوداعه، قد شاركوا بشكل او بآخر في هذه المعركة. والا ما معنى ان تكون هذه الكنيسة وباحاتها تغصان بهذا الحشد نساء ورجالا، من قادة الرأي والمجتمع المدني والسياسيين الشرفاء والنشطاء والاجتماعيين وأصحاب الاقلام الحرة واصحاب المواقف الصادقة والجريئة، المبنية على المبادىء والقيم والحقوق. وكم اخاله قرير العين برؤيتنا مجتمعين هنا لتكريم مسعاه وجهاده والاهداف النبيلة التي ناضل من اجلها طوال حياته".

وختم زيادة قائلا: "نعم، نم قرير العين يا صديقي، فالمسيرة التي كنت رائدا في اطلاقها ستستمر، والحرية ستبقى وتزدهر، والاستقلال والسيادة سيتعززان والديموقراطية ستنتصر".

كما كانت كلمة لمنسق قطاع الشباب في الحركة ايمن مهنا. وتقبلت عائلة الفقيد ومسؤولو الحركة التعازي في الكنيسة. ثم انتقل موكب الجنازة الى بلدته بعبدات ليوارى الثرى.

 

ومن الكاتدرائية انطلق جثمان الراحل في موكب حاشد الى مسقط رأسه بعبدات، التي اتشحت بالسواد ولفها الحزن والاسى واستقبله ابناء البلدة والجوار ومحبوه بدموع اللوعة وحملوه على الأكف من مدخل البلدة. وعلى وقع قرع أجراس الكنائس ووسط نثر الورد والارز وصل الجثمان الى كنيسة العائلة حيث أقام المونسينيور جوزف مرهج صلاة رفع البخور لراحة نفسه.

وألقى نجل الراحل سليم كلمة وجدانية توجه بها الى والده فوصفه ب الرجل الشفاف والوفي والشريف، والمثابر والمحارب"، متطرقا الى "نضاله السياسي الطويل وصراعه الطويل ايضا مع المرض، معتبرا ان نسيب لحود هو الاب الصالح والمثال الاعلى للكرامة، ومات كما عاش مرفوع الرأس.

ثم ألقى حليم لبكي كلمة أهالي بعبدات فقال: "رحل نسيب الكل، رحل الكبير في الكبار والعظيم في العظماء، رحل رجل المواقف والمبادىء، رحلت أيادي الخير والقلب الكبير، فالقلوب دامية والعيون باكية وصنوبرات بعبدات اتشحت بالسواد وغابت البسمة في الاعماق تخنقها غصات الالم على رحيل النسيب الحبيب".

أضاف: "كنت القدوة في الحق والخلق والكبر، فجعتنا برحيلك المبكر في زمن يحتاج الى الكبار الكبار أمثالك، يترفعون عن فتات الارض".

وكانت قصيدة رثاء بعنوان "ارحل بسلام عميد الرجال" ألقاها عضو جمعية المؤلفين والملحنين ونقابة الفنانين المحترفين ياسر لبكي.

وكان في وداعه الاخير قبل ان يوارى الثرى في مدفن العائلة نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، الوزراء السابقون غسان سلامة، طارق متري وميشال خوري، النائبان بطرس حرب وسليم سلهب، رئيس بلدية بعبدات عماد لبكي واعضاء المجلس البلدي وعدد من رؤساء بلديات ومخاتير المنقطة، القنصل العام انطوان عقيقي، أعضاء "حركة التجدد الديموقراطي" وحشد من أبناء بعبدات والقرى المجاورة والاصدقاء والعائلة".

هذا وتتقبل العائلة التعازي يومي الاحد والاثنين في 5 و6 شباط الحالي في دارته في بعبدات ويومي الثلثاء والاربعاء في 7 و8 منه في صالة كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت من الحادية عشرة صباحا حتى السابعة مساء.

المصدر:
وكالات

خبر عاجل