
كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": بين اللقاء المعلن مع رؤساء بلديات كسروان وفاعلياتها ومحطة اقرار شرعة الحزب في 17 من الجاري، يتكشف جانب من استراتيجية عمل "قواتية" بدأ رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع تنفيذها في المرحلة الاخيرة، ويتوقع ان تلقى ترجمتها في سلسلة مبادرات مقبلة.
فقد بدا واضحا ان فتح الحزب باب تحديد هويته السياسية لسلسلة شخصيات وفاعليات من المجتمع القريب من "القوات" والبعيد منها ليس سوى فصل من فصول نهج يهدف في شكل رئيسي الى التفاعل مع المجتمع بكل انتماءاته، المسيحي اولا واللبناني ثانيا، بحسب القراءة الحزبية الجديدة.
واذا كانت خطوة اللقاء مع ممثلي الادارات المحلية الكسروانية في الاسابيع الأخيرة ادرجت في خانة انتخابية بحتة، فإن مصادر "قواتية" مسؤولة تحرص على إضفاء طابع اشمل على هذه الاجتماعات، نواته استراتيجية تواصل جديدة ستلقى طريقها الى التنفيذ تباعا لتضع، عبر مجموعة برامج ومشاريع معدّة، النقاط على حروف هوية "قواتية" جديدة، مذكرة بأن اهتمام جعجع الانتخابي لن ينحصر في الدائرة الكسروانية فحسب.
عمليا، ليست مستغربة مباشرة جعجع مخاطبة القواعد المسيحية عموما والمارونية تحديدا من عقر داره، او مسكنه. فبينه وبين قضاء كسروان قصة طويلة. قد تبدأ مع الروايات الكسروانية عن "عرض العضلات" الميليشيوية في "المناطق المحررة" آنذاك، ولا تنتهي بتداعيات المعركة الانتخابية الاخيرة، علما ان جعجع قرر يومها "النأي بالنفس" عن التدخل في شؤون العائلات، ادراكا منه لإمكان ان تؤدي اي هفوة الى إيقاظ حساسيات قديمة واعادة شريط روايات منسية.
لم يعد خافيا ان معراب تحولت في الآونة الاخيرة مقرا "لمجالس حوارية مصغرة" على انواعها، منها السياسي والاعلامي والديني، علما ان بعض هذه الاجتماعات معلن وبعضها الآخر يبقى بعيدا من الاضواء. وفيما تتزامن الخطوة مع جولات تواصل مع المجتمع المدني ينوي رئيس الحزب تنفيذها، وقد شكلت زيارته لجامعة سيدة اللويزة باكورتها، فإن المصادر "القواتية" المسؤولة تضفي بعدا اشمل على هذه التحركات عنوانه الدور المسيحي والوطني والخارجي الذي تمكن الحزب من بلورته اخيرا، الامر الذي فرض تبني منهجية او رؤية اكثر انفتاحا، وقادرة في شكل خاص على التفاعل مع اوسع فئة لبنانية، مسيحية كانت أم اسلامية. وهي رؤية تلقى ترجمتها، وفقا للمصادر المسؤولة، بتنظيم مجموعة اجتماعات مع القواعد الشعبية والفكرية والاقتصادية تهدف الى استشراف الآراء والتطلعات والتعاون في رسم مستقبل مسيحي ووطني على حد سواء.
تتعدد الاوصاف "القواتية" لهذا التحرك. من لقاءات "تنقية الذاكرة"، مرورا باجتماعات "الحوار مع الآخر"، وصولا الى خطوات المصالحة والمكاشفة، إلا ان خلاصتها تبقى واحدة "وهي ان ما يتحقق راهنا محطة من محطات الحزب الاساسية تبدو اقرب الى مفاجأة جعجع الاعتذارية بعيد خروجه من السجن". ولا تغض الطرف عن اسئلة جوهرية، محورها: الى اي مدى يلقى هذا التوجه صداه؟ وهل يمكن ان يؤدي الى محو مجموعة اخطاء تراكمية ما زالت تفعل فعلها لدى اوساط وتيارات؟
تدفع هذه التساؤلات المصادر "القواتية" المسؤولة الى الغوص في سلسلة معطيات تبدو اشبه بمؤشرات، من ضمنها ان 43 رئيس بلدية من 50 و73 مختارا من كسروان لبّوا دعوة الحزب الى اللقاء في معراب، وبينهم العوني والمحايد والكتائبي، الى المقربين من الاحزاب والمحسوبين على العائلات.
ومن هذه المعطيات:
– إن الاعتذار الذي قدمه جعجع الى "جيرانه" في القضاء انطلق من عرض صريح ومسهب لكل التصرفات التي طبعت مرحلة الحرب، يوم كان الحزب كناية عن "حركة نضالية" كما قال، مذكرا بأن حتى الجيوش النظامية غير معصومة من الاخطاء. ولعل السجال الذي رافق احقية قيام "سجن ابو غريب" او عدمه خير دليل على بعض الحوادث غير المنضبطة .
– التأكيد ان افق الحزب، وخصوصاً بهويته الجديدة، لا ينحصر بمروحة العائلات والاحزاب وممثليها، وليس في وارد التنافس معها، بقدر ما يركز على التلاقي مع حلفاء الخط والخيارات. ويبدو ما حصل ويحصل في زحلة وزغرتا مثالا على هذا النفس، الذي دلل عليه التحالف في هذه الدوائر مع آل معلوف ومعوض وابو خاطر وغيرهم.
– لا يغفل الخطاب الجديد تشريح الاحداث الدموية التي حفلت بها الساحة المسيحية الداخلية، وتحضر فيه كسروانياً حادثة الصفرا التي احدثت ما احدثته من انقسامات.
وانطلاقا مما تقدم، ترتسم وفقا للمصادر "القواتية" المسؤولة "خريطة طريق" حزبية جديدة، عمادها ثلاثة مسارات، يتم العمل عليها بالتوازي، وهي مسار العمل الحزبي الداخلي وركيزته التواصل الشعبي المباشر، والمسار الوطني الذي يسعى الى مد اليد الى الآخر، والمسار الخارجي الذي يتوقع ان يتواصل عبر سلسلة زيارات ينوي رئيس الحزب القيام بها لعواصم عربية واجنبية.