المصالحة السياسيّة غير مطلوبة إذا كانت تعني أن يصبح الجميع على رأي واحد، إذ إنّ العمل السياسي يتطلّب حرّية الرأي وتقابل الآراء، وإلّا ينتفي العمل الديمقراطي. الكنيسة تحترم الحرّية ولا تتعاطى مع الناس، لا بالقوّة ولا بالإرهاب، وتترك للآخرين تحكيم عقولهم وضمائرهم. وعن لقاء السياسيّين في مطرانيّة زحلة، قال رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيّين الكاثوليك المطران عصام يوحنا درويش: "أعتبر أنّ اللقاء كان ناجحاً بشكل مميّز، فالأجواء التي سادت بين الفرقاء كانت ودّية… اجتمعنا لنقول لبعضنا البعض تعالوا معاً لنبني بيتنا ووطنناً…".
• ماذا يعني لكم الغفران في الكنيسة؟ ولماذا يبقى حبراً على الورق، وعند التطبيق يصبح مستحيلاً؟
– الغفران في المسيحيّة هو من صلب الإيمان، والمسيحي لا يُعتبرُ مؤمنا إلّا إذا عاش الغفران. فالربّ يطلب منّا أن نغفر للناس زلّاتهم وأن تكون مغفرتنا بلا حدود، كما يغفر لنا هو لأنّه يريدنا أن نكون مثله كاملين. سأل بطرس الرسول يسوع: "كم مرّة يُخطىء عليّ أخي وأغفر له؟ أسبع مرّات؟ فقال له يسوع: لا أقول لك سبع مرّات، بل سبعين مرّة" (متى 18: 21). هذا الرقم لا يدل فقط على الكمّية اللامحدودة من المغفرة بل على نوعيتها التي تصل إلى حدّ الكمال. إنّ الله يطلب منّا أن نذهب إلى أبعد من المغفرة، إلى السخاء في المغفرة والامتلاء منها.
• ما الفارق بين أن يتعاطى رجل الدين في السياسة وبين أن يتناول مواضيع وشؤون الناس اليوميّة خصوصاً عندما تكون ظالمة؟
– نحن رجال الدين ننأى عن أنفسنا بتعاطي السياسة بمعناها المتداول، أي في أن نضع ذواتنا في موقع معاكس للرأي الآخر أو نأخذ طرفاً ضدّ طرف آخر، لأنّنا نريد أن نكون مع الجميع، نوحّد الأفكار ونقوّم الأخطاء ونجمع المتخاصمين، ونكون الصوت المدوّي والضمير الذي ينبّه الآخرين عن أخطائهم. أمّا شؤون الناس اليوميّة فهي مشتركة بيننا وبين قادة الوطن، لأنّ دعوتنا هي أن نكون آباء لشعبنا، والأب الذي يهتمّ بشؤون أبنائه خصوصا عليه أن يدافع عنها ويرفع الصوت عاليا لتكون حياتهم عادلة ومحقّة.
• لقد بدأ غبطة البطريرك الراعي لقاء أقطاب الموارنة للمصافحة والتقارب، وجاءت أيضاً خطوتكم للّقاء بين جميع الأقطاب في زحلة وذلك تحت رعايتكم، كيف تنظرون إلى كلمة لقاء في العمق؟ وما كانت الغاية منه؟
– إنّني أثمّن ما قام به غبطة البطريرك الراعي، وهو بذلك كان مثالا لكلّ رجل دين ولكلّ مواطن، فخطواته التي قام بها أعطت بُعداً إنسانيّا لعملنا الروحي. واللقاء الذي جمع من خلاله القادة أعطى رجاء جديدا للبنان. أمّا اللقاء الذي دعوت إليه فكان خطوة متواضعه أردت من خلالها أن يضع رجال السياسة في زحلة ومنطقتها يدهم بيد أصحاب السيادة مطارنة المدينة للنظر معاً إلى مطالب شعبنا، ولنجعل دارنا دار سلام ومحبّة، بدل أن نجعلها دار خصام وتفرقة. بالإضافة إلى ذلك شكّلنا من هذا اللقاء مرجعيّة واحدة نعود إليها في الملمّات والصعوبات.
• برأيكم هل نجح هذا اللقاء؟ بالرغم من أنّه ربّما كان الهدف منه أيضاً المصالحة بين سكاف وماروني بسبب الضرر الذي نتج عن هذا الخلاف وطاوَل كلّ زحلة؟
– أعتبر أنّ اللقاء كان ناجحاً بشكل مميّز، فالأجواء التي سادت بين الفرقاء كانت ودّية، والأحاديث التي دارت بينهم كانت إيجابيّة، والبيان الذي صدر عن اللقاء رحّب به الجميع. أمّا بشأن المصالحة فالحقيقة لم يكن هذا من برنامجنا، ولم يكن مخطّطاً له لأنّني أعتبر أنّنا كمسيحيّين لسنا بحاجة إلى وساطة لكي نصالح بعضنا البعض، فهذا من واجب كلّ واحد أن يسامح الآخر، وإلّا لماذا نصلّي؟ لنذكر فقط الصلاة التي علّمنا إيّاها يسوع المخلص عندما قال: "إغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن أساء إلينا…". نأمل أن تسمح الأيّام ليصلّي الجميع صلاة الأبانا بوعي وإيمان.
أؤكّد لك أنّ مجرّد انعقاد اللقاء كان بذاته نجاحاً. لأنّ جميع الذين شاركوا به التقوا حول أمور الناس اليومية. وكما قلت في عظتي يوم الأحد الفائت بأنّ السياسيّين الذين شاركوا في الاجتماع وضعوا مصلحة زحلة والبقاع فوق مصالحهم، وأتوا إلى المطرانية بروح المحبّة والانفتاح… لكن من الطبيعي جدّاً أن نعترف بأنّ هذا الاجتماع لم يهدف لحلّ مشاكل الدنيا ولا لتوحيد الرؤى السياسية، إنّما اجتمعنا لنقول لبعضنا البعض تعالوا معاً لنبني بيتنا وندرأ عنّا الأخطار ونجعل دارنا دار سلام. بالطبع إنّ المصافحة التي تمّت بين الأفرقاء السياسيّين كان لها أثر إيجابي على المواطنين، إذ ساهمت الى حدّ كبير في تهدئة النفوس وإزالة التشنّج من الساحة الزحليّة.
• طبعاً سيادتكم قرأتم ما كتبت الصحف، كيف تنظرون إلى كلّ ذلك؟ وهل تعتقدون أنّكم قد حضّرتم جيّداً لهذا اللقاء؟
– كثرت التحليلات في الإعلام في الفترة الأخيرة، وأنا هنا أوكّد أنّ هذا اللقاء كان استجابة لرغبة كلّ الأطراف الذين زاروني في المطرانية في فترات متلاحقة، وأنا أعلنت منذ اللحظة الأولى أنّ هذا اللقاء ليس له أبعاد سياسيّة، فلكلّ سياسيّ أن يبقى في المكان الذي يريد، ولكن على كلّ سياسي وقائد أن يعمل من أجل خير المواطنين، وعلى هذا الأساس تمّ التحضير للّقاء، وقد قمت شخصيّاً بزيارة عدد كبير من المشاركين في اللقاء، وعرضت عليهم نصّ البيان الختامي، وأخذت بملاحظاتهم حوله الى أن توصّلنا إلى نصّ البيان النهائي، وهنا أعتذر مجدّداً من الذين لم يسمح لي الوقت لزيارتهم، أنا أكيد من أنّ اجتماعنا هذا سيعطي زخماً جديدا للحياة في هذه المدينة، فزحلة لطالما تألّقت بفضل وحدة أبنائها وحرصهم على مصلحة الجماعة، وهي تستحقّ منّا اليوم هذه الوقفة التاريخية.
وأكرر التاكيد أنّ التحضير لهذا اللقاء أخذ وقتاً كافيا لكنّه تمّ بصمت كبير، فقد أدركت منذ البداية الصعوبات التي ستعترضنا وأنا أؤكّد لك بأنّ صلاتي اليوميّة وصلاة المؤمنين كانت عاملاً مهمّا في نجاح اللقاء، أشكر الله لأنّ نتائجه كانت كما يتمنّاها أهلنا في زحلة والبقاع، وهذا ما لمسته من خلال الاتّصالات التي تلقّيتها بعد اللقاء، والتي أكّدت على الارتياح الكبير لدى شريحة كبيرة من المجتمع الزحلي والبقاعي.
• نعلم أنّكم مُصرّون على استكمال خطوتكم الجريئة وذلك بلقاء لكلّ الأقطاب المسيحيّة والإسلاميّة تحت رعايتكم، ماذا تخبروننا عن هذا الحدث الوطني؟ وما هي برأيكم انعكاساته على منطقة البقاع وعلى لبنان؟
– لقد خطّطنا مع القادة الروحيّين لاجتماع في الرابع والعشرين من شهر آذار المقبل، فعندما زارتني المرجعيّات الدينية البقاعية مُهنّئة بعيد الميلاد المجيد تداولتُ معهم في فكرة انعقاد مثل هذا اللقاء ولمست لديهم تجاوبا كبيرا، وسنتحدّث عن تفاصيله متى حان الوقت.
• ما الفارق بين الذهنية اللبنانية في أوستراليا حيث كنتم راعياً للأبرشيّة لمدة 14 سنة، وبين "العقلية" في زحلة والمنطقة؟ وهل تعتبرون أنّكم قد تأقلمتم مع الوضع، أم أنّ الأمر يلزمه الوقت؟
– لقد تأقلم اللبنانيّون في أوستراليا، وهم يعيشون في بلد ديمقراطي تُقدّم فيه الدولة للمواطن كلّ ما يساعده ليعيش إنسانيته بكرامه وحرّية، كما يقدّم المواطن لأوستراليا ولاءَه المطلق، فهناك تفاعل قويّ وبنّاء بين المواطن والدولة، وبدون شكّ سأفتقد دوماً هذه الرؤية الإيجابية والحياة الحلوة. أمّا تأقلمي من جديد في لبنان فيحتاج إلى بعض الوقت وأرجو ألّا يطول. إنّني أفتقد الأصدقاء في أوستراليا، لكنّني أعيش في أبرشيتي بفرح كبير لأنّني أعرف أنّني مدعوّ للخدمة، وسأخدم بكلّ ما أُعطِيت من قوّة.