خالف السلوك الروسيّ في مجلس الأمن، في السنوات الخمس الأخيرة، مجمل التوقّعات التي ازدهرت فور انتهاء الحرب الباردة، والتي تسرّعت إلى اعتبار "حقّ النقض" الذي ورثته روسيّا الإتحاديّة عن الإتحاد السوفياتيّ رمزيّاً لا أكثر، ولا قدرة لموسكو على إستخدامه، إلا لماماً.
لكن واقع السنوات الأخيرة، في ظلّ الثنائيّ فلاديمير بوتين وديميتري ميدفيديف، سيظهر لنا روسيّا في مقدّمة الدول دائمة العضوية التي تستخدم هذا الحقّ، جنباً إلى جنب مع الصين في المسألة السوريّة، ولمرّتين حتى الآن، لكن أيضاً، قبل ذلك، مع الصين أيضاً عام 2007 لإعاقة صدور قرار يدين الطغمة العسكرية في ميانمار (بورما)، ولإعاقة الإدانة الدولية لإرتكابات حكومة موغابي في زيمبابوي عام 2008، وللحيلولة دون تمديد عمل بعثة المراقبين الدوليين في جيورجيا عام 2009. هذا في مقابل، تراجع كبير في استخدام الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا لهذا الحق في السنوات الأخيرة.
هذا بحدّ ذاته يمكن أن يعني أحد أمرين: إمّا أنّ كثرة استخدام روسيا (والصين) لحقّ النقض هو علامة على موازين جديدة على الصعيد العالميّ، وإمّا أنّ كثرة الإستخدام هذه علامة على تعطّل مجلس الأمن الدوليّ بحيث تصير "حروب الشرطة" الأميركيّة أو الأطلسيّة في غير حاجة إلى قرار منه يغطّيها، حيث أنّ الحربين اللتين خيضتا في هذا الإطار، على يوغوسلافيا عام 1999، وفي العراق عام 2003، جاءتا في هذا السياق.
وخير ما يجري الإستدلال به في هذا الإطار، أنّ البرلمان اليوغوسلافيّ كان يصوّت لمصلحة مسودة "الإتحاد السلافي" الذي سوّق له يومها يفغيني بريماكوف بين روسيا وبيلاروسيا ويوغوسلافيا حينما بدأت الضربات الأطلسيّة لنظام ميلوسوفيتش، وأنّ عدم تمرير قرار دوليّ يدين نظام ميلوسوفيتش في مجلس الأمن ارتد في نهاية المطاف هزيمة استراتيجية لروسيا، بل جرى التأسيس على هذه الهزيمة لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ شرقاً، ثم لإطلاق الموجة الأكثر توغّلاً من "الثورات المخمليّة" شرقاً، أي الثورتين الأوكرانية والجيورجية.
لكنه ينبغي الإعتراف بأنّ الوضع الدوليّ مختلف اليوم، لأنّ روسيا في أيّام حرب يوغوسلافيا كانت تلك الدولة المتعثرة للغاية التي خرجت لتوّها من أزمة إقتصاديّة ماليّة حادّة عام 1998، في حين أنّ الغرب حاليّاً لم يتماثل بعد للشفاء جراء الأزمة الإقتصاديّة الماليّة العالميّة التي ألمّت به عام 2008.
وبين أزمتي 1998 و2008 الإقتصاديتين، الأولى التي ضربت روسيا من بعد جنوب آسيا، والثانية التي ضربت الغرب، ابتداء بأميركا ووصولاً إلى أوروبا، ثمّة عقد كامل، يؤرّخ له روسيّاً بحربين، واحدة خاضها الجيش الروسيّ ضمن الحدود الفيدرالية للبلاد (ابتداء من أيلول 1999)، في داغستان أوّلاً ثم في الشيشان، وانتهت بتدمير عاصمة الشيشان غروزني بشكل شبه كامل، وثانية خاضها الجيش الروسيّ ضدّ جيورجيا "الأطلسيّة الهوى" في آب 2008، على خلفية أزمة "أوسيتيا الجنوبية"، وأظهرت حسماً استراتيجياً سريعاً للغاية من جهة، وعجزاً غربياً عن دعم "الأطلسيّ المغامر" ميخائيل سكاشفيلي، مع كونه رأس حربة الديموقراطيّة الليبراليّة في وجه الإستبداد الشرقيّ. أمّا رأس الحربة الأخرى للديموقراطية الليبرالية، لوليا تيموشنكو، رمز الثورة البرتقالية الأوكرانية، فقد أنتهى بها السبيل "جان دارك القرن الحادي والعشرين" من وراء القضبان!
إلا أنّ الإنتعاشة الروسيّة هذه لم تنبن على إعادة انتاج أسباب القوّة الداخليّة، فالنموذج الإقتصاديّ الروسيّ لم يعد كارثيّاً كما في أيّام بوريس يلتسن لكنّه لا يزال "متواضعاً" بالمقياس العالميّ، والكارثة الديموغرافية المتصلة بتناقص عدد الرّوس ما زالت أبعد من أن تداوى، وايقاع المؤسّسات الروسيّة، حكومية أو قضائية أو مدنية، لا يسرّ الخاطر. هذه الإنتعاشة انبنت أساساً على أزمة الغرب: أزمته الإقتصادية والمالية، وأزمته الإستراتيجية المتّصلة بتوسيع حلف شمال الأطلسيّ ونصب أنظمة الدرع الصاروخيّة، وأزمة حلفائه في الجمهوريات السوفياتية السابقة (أوكرانيا وجيورجيا).
من هنا، فقد جاءت الثورات العربية لتزعج فعلاً السياسة الروسيّة، ليسَ فقط لأنّ لموسكو مصالح تقليدية في ليبيا أو في سوريا، بل لأنّ هذه الثورات ستعيد إحياء سياسات "إحتواء التمدّد الروسيّ" بشكل أو بآخر، من خلال "تقاطع إسلاميّ غربيّ".
إذاًَ هناك موقف روسيّ سلبيّ من هذه الثورات، بدءاً من الثورة المصريّة، وليس فقط بدءاً من الثورتين الليبية والروسيّة.
أساس هذا الموقف السلبيّ أنّ هذه الثورات ستقلّل من "التناقض الإسلاميّ الغربيّ" الذي بلغ أوجه في فلسطين وهجمات 11 أيلول وأفغانستان والعراق، وستخاطر بإعادة شحن "الثورات المخملية" في الجمهوريات السوفياتية السابقة، سواء حيث تخلّعت هذه الثورات أو حيث لم تنشب بعد، كما في آسيا الوسطى، حصن "الإستبداد الشرقيّ العصريّ".
بيدَ أنّ ما فعلته موسكو حتى الآن، كان المضيّ قدماً في صناعة "التلاقي الإسلاميّ الغربيّ" الإحتوائيّ لها. هذا يصحّ بشكل أساسيّ بعد الثورة السوريّة.
إلا أنّ للأمر حدوده هنا. فالوضع ما زال بعيداً جدّاً عن تهيئات من يحسب أنّ "الحرب الباردة عائدة". يمكن أن تعود هذه الحرب، أو غيرها، في أي وقت، لكن ليس أبداً على شرف بشّار الأسد.
وفي المقابل، فإنّ الموقف الإنعزاليّ الروسيّ عن العالمين الغربي والإسلامي، كما ترجم نفسه بلغة "الحدّ الأقصى" في مجلس الأمن قبل يومين، لا يمكن تجاوزه إلا بفعل روسيّ ما في المقابل، على جبهة بشّار الأسد، إلا إذا كان الخيار الروسيّ، هو الإنعزال أكثر فأكثر.
لكن الضغط على جبهة بشّار الأسد لا يعرف حدّاً أقصى وحدّاً أدنى. في الظروف الحالية، أي ضغط عليه لا يمكن أن يترجم إلا دعوة، ولو منمّقة، لتنحيه. وما سيقوله سيرغي لافروف في دمشق غداً، من المؤكد أنه لن يرضي أهل الثورة السورية، لكنّ ليس من المرجّح أبداً أنّه سيرضي أهل النظام.