لماذا فقد الجنرال ميشال عون ووزراؤه ونوّابه ومعاونوه السيطرة على أعصابهم وجُنّ جنونهم دفعة واحدة؟
جواباً عن هذا السؤال، لا بدّ أوّلاً من ملاحظة أنّ المعادلة التي صاغها الجنرال تباعاً منذ ما يقارب سبع سنوات بعدَ انتصار ثورة الأرز، والتي وضع نفسه في إطارها، هي اليوم معادلة مختلّة مهتزّة.
لقد أقام الجنرال خلال هذه السنوات الطوال على تحالف وثيق مع محور النظام السوريّ – النظام الإيراني – "حزب الله". إبتدعَ فذلكات كثيرة لتبرير هذا التحالف. لكن لم يكن خافياً أنّه سعى إلى "بيع" موقعه في البيئة المسيحيّة لـ "شراء" موقع عام وأدوار… لشراء سلطة.
غطّى عودة نفوذ نظام الأسد إلى لبنان. وغطّى استقواء "حزب الله" بسلاحه في الداخل اللبنانيّ. لا بل إنّ أيّاً من اللبنانيّين لا ينسى تحريض عون لـ"حزب الله" على أحداث 7 أيّار 2008. تحريضٌ على القتل والخطف والحرق والسيطرة المسلّحة. ولا أحد ينسى أيضاً أنّه كُلّف مهمّة رأس الحربة تحريضاً على انقلاب كانون الثاني 2011. كما أنّ أحداً لا ينسى أنّه يحضّ على العنف في هذه الفترة أيضا.
قبضَ أثماناً سلطويّة للموقع السياسيّ الذي اختارَه… لكنّه كان يخسرُ تدريجاً حيّزه ضمن البيئة المسيحيّة بشكل خاص. لم تُسعفه ادّعاءات العفّة والإصلاح ومكافحة الفساد في استنهاض وضعه المتدهور، لأنّ اللبنانيّين، خصوصاً بعد اندلاع الربيع العربي، راحوا يبحثون عن مكانهم فيه مستذكرين دورهم في أصل هذا الربيع.
أذهلَ الربيع العربيّ، خاصة عندما دقّ أبواب سوريّا، الجنرال وأصابه بـ"خوات".
بقي عون شهوراً يراهن على قدرة نظام الأسد على الخروج من "المحنة". وكم مرّة بشّر الجنرال بأنّ الأزمة صارت وراء الأسد؟ وكم من مرّة قام نيابةً عن الأسد بتحديد مواعيد "الحسم"؟ وأكثر من ذلك، سمع متابعون من داخل "البيت العوني" ما مفاده أنّ لدى نظام الأسد حدّاً أدنى هو مشروع تقسيميّ ما بين سوريّا ولبنان لإقامة دولة علويّة – مارونيّة – شيعيّة، فكان الجنرال ينامُ مطمئناً إلى ذلك.
ومن الواضح أنّ ما راهن عون عليه يتهاوى، لأنّ نظام الأسد يترنّح حتى وهو في ذروة وحشيته. إفترض الجنرال أنّ النظام المتهاوي يمكّنه أن يأخذ لبنان في طريقه، أي أن يساعد على إيجاد توازن في لبنان لمصلحة من يحالفونه تعويضاً عمّا يجري في سوريّا! ثمّ افترض – ربّما بينه وبين نفسه – أنّ "حزب الله" يمكنه أن يُقدم – هكذا ببساطة – على قلب الطاولة في لبنان، في وقت لا شكّ أنّ "حزب الله" يدرس الوضع بحسابات أخرى. يحسبُ "حزب الله" مثلاً حساباً للفتنة الشيعيّة – السنيّة التي لا يقيم عون حساباً لها. ويحسبُ "حزب الله" المصلحة الإيرانيّة في ظلّ المتغيّرات العربيّة حتى لو قرّر في نهاية المطاف اعتماد خيار المواجهة.
إذاً، في وقتٍ يتركُ ما يحصل في المنطقة وفي سوريّا تحديداً أثاراً على الفرقاء اللبنانيّين، فإنّ الجنرال يتخبّط. وعلى أيّ حال فإنّ التخبّط الناجم عن سوء التقدير، أمرٌ تاريخيّ عند الجنرال. ألم يراهن على أنّ صدام حسين سيهزم العالم في 1990؟ هل يُمكن استبعاد أن يكون مراهناً اليوم على أنّ بشّار الأسد سيهزم العالم؟
مواقعُ رئيسيّة في السلطة تبحثُ في هذه الأيّام عن البقاء على قيد الحياة السياسيّة. أمّا الجنرال فيتلّفت يميناً ويساراً فيلاحظ أنّ الأبواب مغلقة أمامه، فلا علاقة بينَه وبين أكثر من نصف البلد سنّياً ومسيحيّاً ودرزيّاً… وحتىّ شيعيّاً. ويرى أنّ "حزب الله" منشغل بأموره وبالظروف واحتمالاتها.
يلمسُ لمسَ اليد أنّه سيكون خارج المعادلة اللبنانيّة الجديدة… فيجّن جنونه.
وبما أنّه يهوى العنف ويحرّض عليه، عِلماً أنّه غير شهير أبداً بشجاعته، تراه يلجأ مع فرقته إلى العنف الكلامي، إلى الشتائم التي تبعد اللبنانيّين عنه وعن شتّاميه أكثر فأكثر وتزيدهم قرفاً.
إذاً، هذا هو سرّه!
ملاحظة: كان كاتب هذه السطور قد آل على نفسه منذ مدّة عدم الحديث عن عون وفريقه السياسيّ – العائلي. ذلك أنّه من سابع المستحيلات أن يكون ثمّة نقاش ممكن مع عونيّ. لكن ما دفع الكاتب إلى الخروج عن التزامه هو حقيقة أنّ ثمّة موتاً دماغيّاً سياسيّاً لدى هذا الفريق، صار معه لا بدّ من إخبار الناس بالحقيقة.