أينما توجهت إلى عواصم الإنتاج والإنجاز، ومواقع العمل والإبداع، تجد قصة نجاح لبنانية، تؤكّد قناعتك بأن لبنانيّي الخارج هم الذين يحافظون على تألّق أسطورة الوطن، الذي لا وجود لدولته على الأرض، ولكن نبضه يستمر في الخفقان في قلوب وعقول أهله حيثما حلّوا في تِرحالهم وهجرتهم!
وقصص نجاح اللبنانيين لا تُعدّ ولا تُحصى، من دول الخليج العربي التي ساعدت العقول والسواعد اللبنانية في إطلاق نهضتها الحديثة، إلى القارة السمراء التي ساهمت مغامرات اللبنانيين في اكتشاف كنوزها الدفينة، إلى أميركا الشمالية حيث تشهد الجامعات والمعاهد العلمية المتقدّمة على مستوى الكفاءات الإبداعية اللبنانية، فضلاً عن أميركا الجنوبية وأستراليا التي تحتلّ فيها الجاليات اللبنانية مواقع سياسية ورسمية متقدّمة.
أمّا في أوروبا، فقد استطاع الشباب اللبناني، الذكوري والأنثوي على السواء، أن يحتل مكانة بارزة في الخدمات المصرفية والطبيّة، تُحاكي نجاحات مواطنيهم من كبار رجال الأعمال الذين قصدوا القارة العريقة، وخاصة باريس ولندن، بعدما حاصرت الحرب المجنونة دَور بيروت، وقضت على حركة الأعمال والمال في المدينة التي كانت حتى أواسط السبعينات، بمثابة العاصمة الإقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط!
* * *
الزائر للعاصمة الفرنسية يشعر بحضور المشهد اللبناني بقوّة، سواء على المستوى السياسي الرسمي أم في النشاطات الثقافية والمدنية المختلفة.
على المستوى السياسي الرسمي، تحتلّ التحضيرات الجارية لزيارة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى باريس صدارة الإهتمامات الفرنسية التي تواكب أحداث الربيع العربي في أكثر من بلد عربي، وخاصة الإنتفاضة الحالية في سوريا، وتراقب الدوائر الفرنسية بكثير من الحذر، إنعكاسات التطوّرات السورية على الوضع اللبناني الهش، والذي لا يتحمّل أي صدمة أمنية مفاجئة.
وتُتابع باريس بكثير من العناية والدقة إهتزازات الوضع الحكومي على خلفية الخلافات المستعرة بين أطراف الإئتلاف الذي تتشكّل منه الحكومة الميقاتية.
وثمّة من يعتبر في الدوائر الفرنسية، أن مجرّد توجيه الدعوة للرئيس ميقاتي للقيام بزيارة رسمية، يعني وجود رضى فرنسي على مواقف رئيس الحكومة اللبنانية، بدأت ملامحه الفرنسية تظهر في أعقاب تأمين حصّة لبنان في تمويل المحكمة الدولية، واستمرّت في التحسّن بعد تصدي ميقاتي لمحاولات تحالف عون – حزب الله بسط هيمنته على مجلس الوزراء، وتوجيه السياسة الخارجية للحكومة اللبنانية.
وترى الأوساط المعنية بترتيبات الزيارة الميقاتية، أن العبرة ليست بالنتائج التي ستتمخّض عنها مباحثات رئيس الحكومة اللبنانية في الإليزيه والكريون والكي دورسيه، بل بالأجواء والإشارات التي يحملها وجود رئيس حكومة لبنانية في باريس، كانت حكومته حتى الأمس القريب تُعتبر في الإعلام الفرنسي، ولدى دوائر القرار «حكومة حزب الله في لبنان»!
* * *
تكملة المشهد اللبناني في الإطار السياسي الفرنسي تراه على ضفاف السين، وبالذات في منزل الرئيس سعد الحريري، الذي تحوّلت دارته الباريسية إلى خليّة نحل تعجّ بالزوّار السياسيين الفرنسيين، إلى جانب الشخصيات العربية والأجنبية التي تزور باريس هذه الأيام، فضلاً عن حركة اللبنانيين من سياسيين ورجال أعمال وأصدقاء ومحبّين.
وبقدر ما تؤكّد الحركة الدائمة في دارة الحريري على متانة العلاقات التي يتمتّع بها الرجل وعائلته مع هذه المروحة الواسعة من الشخصيات العربية والفرنسية والدولية، فهذه الحركة تؤكّد أيضاً مكانة الزعيم الشاب السياسية، ودوره في المعادلة الوطنية، إلى جانب موقعه على الخريطة السياسية الإقليمية.
* * *
أما الحضور اللبناني على المستوى الثقافي والإبداعي فهو في حالة تألّق دائم في عاصمة الثقافة والفكر، التي احتفلت الأسبوع الماضي بمنح الكاتب اللبناني أمين المعلوف «وسام الفنون والآداب» من قبل وزارة الثقافة، الى جانب جولات شاعر المنابر ورسول الحضارة العربية والإسلامية صلاح ستيتيه، فضلاً عن النشاطات والمؤتمرات التي تنظّمها الهيئات اللبنانية الناشطة في المنتديات الباريسية، والتي كان آخرها مؤتمر الحفاظ على تراث طرابلس الذي نظّمته رابطة المحافظة على آثار طرابلس بالتعاون مع بلدية «إيل دو فرانس» والذي شارك فيه مجموعة من البحّاثة اللبنانيين والفرنسيين.
ويبقى من دواعي الأسف أن يكون صدى هذا الصوت الطرابلسي الحضاري أكثر حضوراً في العاصمة الفرنسية في ظل غياب مُخجِِل عن هذا الهمّ في العاصمة اللبنانية، التي يلتهي وزير الثقافة فيها بزواريب السياسة المحلية!!
* * *
.. وإذا كان اللبنانيون في الداخل ينسجون بتضحياتهم «إلياذة» الصبر والصمود أمام تردّي أحوال دولتهم المُنهكة بالمحسوبية والفساد،
فإن اخوانهم وأبناءهم ومواطنيهم في الخارج يرسمون كل يوم لوحة جديدة في أسطورة هذا الوطن، الذي لا وجود لدولته على الأرض، ولكن نبضه يخفق دائماً في شرايين أهله حيثما حلّوا في حلِّهم وترحالهم!!