في هذه اللحظات التاريخية الرهيبة التي يتعرضّ فيها الشعب السوري للإبادة الجماعية على يد المتسلّط وطُغمته الحاكمة، تعود بنا الذكرى الى محطّاتٍ لبنانية مماثلة إجتازت معمودية دمٍّ شبيهة، بدءاً بأشرفية المئة يوم، وقنات صمود الجبل، مروراً بزحلة نيسان الشهداء، ووصولاً الى حصار طرابلس، ومجزرة شارع فتح الله، ومجازر ضهر الوحش، وما بينها من مئاتٍ ومئات المحطّات الدموية، التسلطّية، والقمعية، التي ميّزت نمط تعاطي النظام السوري، مع الشعب اللبناني، بمختلف ألوانه، وأطيافه…
لقد سنحت ظروف العقود الماضية لنظام الإستبداد في سوريا، بممارسة إزدواجيته، والاعيبه الدموية الإرهابية، فانتهك سيادة لبنان، وقتل، وأخفى، واعتقل، مئات الآلاف. رعى المنظمات الإرهابية، سواء كانت تكفيرية او إمامية او "علمانية". استغّل القضية الفلسطينية في خدمة مساوماته السياسية الأقلّوية. دمّر حماه على رؤوس ابنائها، واوفد التكفيريين طروداً مُفخخّة الى العراقيين، ورفع شعاراتٍ عروبية، فيما هو الّد أعداء العرب والعروبيين…
إنه نظام قِلّةٍ استمدّت إستبدادها من قهر التاريخ لها، فعوض ان تنتفض على ظلم الماضي الأليم لتتصالح مع الحاضر، وتبني مستقبلاً سليماً، توسلّت "التقيّة والباطنية" والدموية، سبيلاً للإنتقام من المحيط… ومن المحيط الى الخليج…
إنها قِلّةٌ لن تتورّع عن تصفية اي كائن "مشبوهٍ" يتحرّك من حولها، فيما لو استشعرت فيه اي مساسٍ بسلّم إنجازاتها التاريخية الذي تسلّقته بالمكر والتدجيل والدماء، درجةً درجة، حتى تسنّى لها إحكام قبضتها على بلاد شاسعة كسوريا، وترويض السوريين بيدٍ من حديدٍ ونار… وشبيّحة.
إنها قِلّة توسلّت العروبة والبعث وكل شيء ممكن، سبيلاً لإحكام "سُلطويتها"… فالمسيحية في خدمة سلطويتها، والإسلام في خدمة سلطويتها، و"تحالف الأقليات" والأقليات، و"وثائق تفاهم" الأقليّات، كلّها في خدمة هذه القلّة… الجولان، غزّة، العراق، وسيادة لبنان وأمنه وحريته واقتصاده وجنوبه وشماله وبقاعه، كلّها فدا القِلّة المستبدّة…
لذلك فإن دماء الأبطال التي تُسفك اليوم على امتداد رقعة ثورة الحريّة في سوريا، ليست دماءً مُهراقة فدا حريّة الشعب السوري وكرامته فحسب، وإنما هي تُهرق بإسم الإنسانية جمعاء، وإنقاذاً للإنسانية من سلوك قِلّةٍ، اوصدت على الجغرافيا أبواب التاريخ، وعزلت نفسها في قمقمٍ من الحقد والإنتقام والتشفّي…
إن أبطال سوريا يُسددّون بمفردهم، وبالنيابة عن البشرية كلّها، فاتورة إجتثات تلك الجُرثومة الخبيثة، التي تفتك في جسد الشرق منذ امدٍ طويل، وتحرمه عافيته، وأمنه واستقراره، وإزدهاره، وسلامه العادل والشامل…
فيا ابطال سوريا،
معكم، لم تعد "سوريا" مُجرّد إسمٍ يختصر حكم عائلة دموية، تحصد اليوم عواصف ما اقترفت ايديها، بعدما زرعت الرعب والظلم في نفوس الأبرياء، بل صارت قبلة انظار الثائرين على الظلم، والإستبداد، والظلامية اينما كانوا، وعلى ثورتها، يعقد الأحرار آمالهم والآماني…
معكم، لم تعد "سوريا" مجرّد نظامٍ شمولي، سيئ الذكر، والسُمعة، والصيت، يقبض على الحريّات العامة، ويُزعزع الإستقرار الإقليمي، ويبتّز دول العالم الحّر، والمؤسسات العربية والدولية، بل اصبحت رمزاً للشرف، والتضحية، ينبض قلب الإنسانية على وقع شعاراتها الوطنية الهدّارة، وعيون الشعوب القلقة والمتألمة، شاخصةٌ اليها…
يا ابطال سوريا،
إن لبنان الحريّة الذي احتضن في جباله الوعرة بذور الحريّة في الشرق منذ فجر التاريخ، هو أول، وأكثر، وافضل، من يتحسس عمق آلامكم، ويؤمن بأحقيّة قضيتكم، ويُثّمن سمّو تضحياتكم، ونُبل مراميكم… وبقدر ما أن لبنان ثورة الأرز، يتضامن معكم، إنطلاقاً من إيمانه بالمبادئ الأخلاقية والإنسانية السامية التي شكلّت علّة وجوده، بالقدر ذاته يأمل بأن يكون إنتصار ثورتكم في سوريا، فأل خيرٍ، وحريّةٍ وسيادةٍ على الدولة اللبنانية، ومواطنيها اللبنانيين…
إن تعويل لبنان على إيمانكم، وشجاعتكم وتصميمكم، لكي يرفع عن كاهله عبء التسلّط الثقيل، وينعم بالسيادة والحرية والإستقلال، يوازي تعويله على تضحيات ابنائه في ثورة الأرز أنفسهم… فسوريا الحرية، والتعددية، والديمقراطية، وإحترام حقوق الإنسان، تعني تلقائياً، لبناناً مستقرّاً، وحدوداً مُرسّمةً، وسلاحاً مُدجّناً، وتجفيفاً لمنابع التطرّف والإرهاب…
إن نظاماً ديمقراطياً حراًّ في سوريا، هو نظامٌ ينسجم ويتكامل مع طبيعة النظام اللبناني ولا يتصادم معها، وهو نظامٌ "اُخوّةٍ وتعاونٍ وتنسيق" حقيقي لا صُوري، نتوق اليه في لبنان منذ عقودٍ كثيرة…
فيا ابطال سوريا، ويا ابطال الجيش السوري الحرّ،
بفضلكم، لم يعد شعار "تحيا سوريا" حِكراً على أقليّةٍ عقائدية، او نفعية، او دعائية، زورّت المعاني، وشوهّت الشعارات، وإنتقصت من سيادة البلدان او غردّت في سراب، وإنما صار ترنيمةً يُرددها اللبنانيون الكيانيون كل صبحٍ ومساء، ومع كل صورةٍ تفضح الجرائم والفظاعات التي يرتكبها سفّاح سوريا ولبنان، و"حجّاح" العراق إيّاه…
تحيا سوريا، نقولها بالفم الملآن…دولةً مدنية، تعددية، ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان… ففي حياتها، إحياءٌ للمفاهيم الإنسانية في الشرق، وحياةٌ مُستقرّةٌ للبنان…
إن سواعدكم التي ترفع سارية الحريّة بيد، وتقبض على زناد الدفاع والمقاومة والصمود بيدٍ ثانية، هي السواعد التي سنضع ايدينا بأيديها لنصنع غدٍ أفضل لنا، ولكم، وللمنطقة بأسرها…