اتهِم الجيش في السبعينات بأنه حارس إسرائيل جنوبا، فيما كان الاطمئنان مفترضا على الحدود البرية الأخرى لأنها كانت "محروسة" بالعروبة و"الاخوّة السورية – اللبنانية". وفيما عانى لبنان اعتداءات إسرائيلية أبعد من جنوبه، فإن الرابطة القومية والصلة الأخوية ترجمتا سطوا على سلطة الدولة اللبنانية، بلغ أوجه في "تمرير" المقاتلين الفلسطينيين من الأردن، وصولا إلى تأجيج إوار الحرب لتبرير وضع يد النظام الأسدي، بمكيافيلية أتقن الرئيس الأب ممارستها، إلى ان كان حدث 14 شباط 2005، ثم هرولة هذا النظام إلى سحب قواته في نيسان من العام نفسه.
وكما افتعلت إشكالية مزارع شبعا عام 2000 لتبرير استمرار الوصاية ولمنع الاستقرار، أقيمت القواعد العسكرية، الفلسطينية إسما، والأسدية واقعا، في البقاع، تحت شعار حماية "الخاصرة" السورية، التي لم يتحرك "جسدها"، منذ العام 1973، وأمن السكينة والازدهار للاحتلال في الجولان.
رفض النظام الأسدي ترسيم الحدود، حتى حين جرت "ملاطفته" باستخدام تعبير "تحديد الحدود"، واستمرت القواعد الفلسطينية، الفاقدة كل فاعلية عسكرية، "قنابل" موقوتة بتوقيت النظام الممانع، مهددة الاستقرار اللبناني.
أكثر من ذلك. سعى أبو موسى، صاحب "فتح الانتفاضة" وهو برتبة أمين عام، إلى اكتساب شرعية لبنانية لسلاحه بإعلان "استعداده لنقل القواعد الفلسطينية إلى نقاط يحددها الجيش اللبناني". وتمادى في "التنازلات" فأيد إدخال جماعته وسلاحها في إطار الاستراتيجية الدفاعية الغامضة. وهو ما عارضه "مالك" آخر للقواعد هو أحمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية – القيادة العامة. والطرفان لا يخرجان على التوجيه الأسدي، الذي يريد من هذه القواعد، في البقاع والناعمة، الإشارة إلى أن لبنان أرض سائبة، وأن مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، أعجز من أن تبسط سلطتها.
مع توسع الحدث السوري، و"التوجيه السياسي" الذي حمله سفير النظام إلى الشرعية اللبنانية، اكتشف اللبنانيون أن جيشهم قادر على فرض هيبة دولتهم على الحدود، لكن شمالا، حيث التعاطف اللبناني مع الانتفاضة السورية، في وادي خالد وجبل أكروم، وليس شرقا، في السلطان يعقوب وحلوة، أي حيث يستشعر النظام الأسدي الضرر، وليس حيث تهدر سلطة الدولة.
لافت قول مرجع عسكري لـ"النهار" أمس، إن الجيش سيدخل "كل المناطق التي يمكن أن تحدث فيها أعمال تشكل تهديدا للأمن القومي". لكن، ألا ينطبق الأمر على معسكرات مخابرات النظام السوري، أم أن "الأمن القومي" يعمل في اتجاه واحد، وربما بتوجيه واحد؟ حين تزرع مخابرات النظام السوري مكامنها في لبنان، يكون الأمن القومي مصونا، وحين يضمد اللبنانيون جروح إخوانهم السوريين الثائرين على حكم العسف، يصبح هذا الأمن في خطر.
إذا لم تصدقوا، فاسألوا حكومة القمصان السود: فالخاصرة قد تكون عند الرأس. إنها جوّالة.